بقلم: الباز عبدالإله
تضع المعطيات التي أوردها الصحافي عبد الوفي العلام، ضمن سلسلة تحقيقاته المنشورة بجريدة “ريحانة برس”، مدينة سلا في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية المرتبطة بتدبير العقار والتعمير، حيث لا تبدو المدينة مجرد امتداد عمراني للعاصمة الرباط، بقدر ما تحولت إلى فضاء تتقاطع فيه رهانات التنمية مع اختلالات عميقة في حكامة المجال. فبفعل موقعها الجغرافي وضغط التوسع العمراني ووفرة الأراضي، خاصة السلالية منها، أصبحت سلا مجالاً خصباً لنشاط شبكات متشعبة تضم وسطاء ومحامين وموظفين ومنتخبين، في منظومة تتداخل فيها المصالح وتتعقد فيها مسارات القرار بعيداً عن أعين الرقابة الفعلية، في مشهد يعكس، في كثير من الأحيان، تداخلاً غير واضح بين القرار الإداري والمصلحة الخاصة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن المدينة كانت، ولا تزال، مسرحاً لممارسات تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية، من قبيل التقييدات الاحتياطية التي تتحول أحياناً إلى أدوات ضغط، أو منح تراخيص في ظروف تفتقر إلى الشفافية، وهي اختلالات سبق أن نبهت إليها تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية، كما وثقتها تقارير المجلس الأعلى للحسابات.
غير أن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في طبيعتها، بل في آثارها على الأرض؛ حيث تتحول أراضٍ مخصصة لخدمة المصلحة العامة إلى مشاريع سكنية مغلقة، في سباق مع الزمن يسبق أي تدخل رقابي فعلي، وهو ما يعكس اختلالاً في توازن العلاقة بين التخطيط والتنفيذ.
وفي هذا السياق، يبرز ملف “نور الدين الأزرق ومن معه”، الذي امتد لأزيد من 15 سنة، كنموذج يتجاوز الحالة الفردية، ليطرح تساؤلات أوسع حول أنماط تدبير العقار والتعمير داخل المدينة.
فبعد ملف دار الولادة بسيدي موسى، الذي كشف كيف يمكن أن تختفي وظيفة مرفق صحي من تصميم التهيئة، تعود نفس المنطقة لتطرح إشكالاً جديداً، هذه المرة من خلال رخصة تحمل رقم NE 533/02، صادرة بتاريخ 11 نونبر 2002، والمتعلقة ببناء مشروع سكني تحت اسم “إقامة الرحمان”.
في الأصل، كان هذا الوعاء العقاري مخصصاً لإحداث منشأة رياضية (SP3)، أي فضاء يفترض أن يخدم الساكنة ويمنح الحي متنفساً اجتماعياً.
غير أن ما تحقق على الأرض كان مختلفاً، حيث تم تحويل هذه الوظيفة إلى إقامة سكنية، في مسار يطرح أكثر من علامة استفهام حول الكيفية التي تم بها هذا التغيير، والجهات التي صادقت عليه.
خصوصاً وأن مثل هذا التحول لا يمر دون سلسلة من التأشيرات التقنية والإدارية التي يفترض فيها حماية تصميم التهيئة لا إعادة تأويله.
كما تشير المعطيات ذاتها إلى أن المشروع لم يلتزم بالمواصفات المحددة في الرخصة، حيث تم تجاوز العلو المسموح به من R+4 إلى R+5، في خرق يعيد طرح سؤال المراقبة الميدانية وحدود فعاليتها.
ومن بين التفاصيل التي تثير الانتباه كذلك، ما يتعلق بوجود تصميمين مختلفين لنفس المشروع، يحملان التوقيع نفسه وفي التاريخ ذاته، وهو معطى تقني ظاهرياً، لكنه في العمق يفتح الباب أمام تساؤلات ثقيلة حول مسار إعداد الوثائق وكيفية المصادقة عليها.
هنا، لا يتعلق الأمر فقط بمخالفة تعمير، بل بمسار كامل يعيد تعريف وظيفة الأرض، ويحوّل المرافق المفترضة إلى كتل إسمنتية، في سياق يبدو فيه أن بعض الرخص لا تُمنح فقط للبناء، بل لإعادة تشكيل المجال وفق منطق آخر.
سيدي موسى، مرة أخرى، تتحول إلى عنوان لهذا التحول؛ من دار ولادة لم ترَ النور، إلى منشأة رياضية اختفت من الخرائط، إلى إقامة قائمة فوق أسئلة لم تجد بعد أجوبة واضحة.
وفي مدينة تُعاد صياغتها بهذا الإيقاع، لا يتعلق الأمر فقط بطوابق زائدة أو رخص معدلة، بل بمنطق كامل يعيد ترتيب الأولويات، حيث تتراجع المصلحة العامة خطوة، ويتقدم الإسمنت خطوتين.
وهنا، لا يُطرح فقط سؤال ما الذي بُني… بل ما الذي تم حذفه بصمت من حق المدينة في مرفقها العمومي.
يتبع…
