بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد سراً أن قطاعات الحراسة والنظافة والصيانة في الإدارات العمومية بالمغرب تحولت، في حالات متعددة، إلى مجالات تثير نقاشاً متزايداً حول شروط الشغل وحدود حماية الفئات الأكثر هشاشة في السلم الاجتماعي؛ فاليوم، يخرج هذا الملف من دوائر التدبير الإداري الضيق إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط كإجراء تقني، بل كسؤال يرتبط بالتوازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
إن المعضلة تبدأ من فلسفة “العرض الأقل كلفة” التي تؤطر جزءاً مهماً من الصفقات العمومية، وهي مقاربة يُفترض أنها تروم ترشيد النفقات، غير أنها تطرح، في المقابل، تساؤلات حول آثارها على جودة الخدمات وظروف اشتغال العمال، خاصة عندما تُقدَّم عروض مالية يصعب، من الناحية الواقعية، أن تغطي كلفة الأجور القانونية والتزامات الحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يبرز التوجه الذي لوّح به وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بمنع الشركات المخالفة لمقتضيات مدونة الشغل المغربية 65.99 من الاستفادة من الصفقات، كإشارة إلى إرادة إعادة ضبط هذا المجال.
وجاء هذا التوضيح ضمن جواب كتابي لوزير العدل على سؤال برلماني بمجلس المستشارين تقدم به خالد السطي عن نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، غير أن فعالية هذا التوجه تظل مرتبطة بمدى قدرته على الانتقال من مستوى النصوص إلى مستوى الممارسة.
كشفت مصادر إعلامية أن هذا التوجه يقوم على ربط صرف مستحقات الصفقات بمدى احترام الالتزامات الاجتماعية، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي الرقابة الوثائقية وحدها لضمان الامتثال الفعلي؟
هنا يبرز رهان التحول الرقمي كمدخل حاسم؛ إذ لم يعد الحل رهين نوايا الإدارة أو صرامة التعليمات، بل بمدى قدرتها على إرساء ربط رقمي آني بين منصة الصفقات العمومية وقواعد بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، بحيث لا يُصرف أي مبلغ من المال العام إلا بعد التأكد الفعلي من توصل الأجير بأجره كاملاً واحترام جميع التصريحات الاجتماعية المرتبطة به.
مثل هذا التكامل الرقمي من شأنه أن ينقل المراقبة من مستوى “الوثيقة” إلى مستوى “الواقع”.
وفي هذا الإطار، يفرض النقاش استحضار مبدأ المسؤولية التضامنية، الذي يجعل من الإدارة، بصفتها آمراً بالصرف، طرفاً معنياً بشكل مباشر بضمان احترام الحقوق الاجتماعية داخل فضاءاتها.
فالعامل الذي يشتغل داخل مرفق عمومي، كيفما كانت طبيعة عقده، يظل جزءاً من منظومة الخدمة العمومية، ولا يمكن فصل جودة هذه الخدمة عن ظروف اشتغاله واستقراره المهني.
ولا يرتبط تعقيد هذا القطاع فقط بآليات المراقبة، بل أيضاً بطبيعة بنيته التنافسية، حيث يؤدي الضغط على الأسعار إلى خلق هامش ضيق للمقاولات، قد ينعكس في بعض الحالات على شروط التشغيل.
وفي هذا الإطار، يطرح عدد من المتتبعين ضرورة تجاوز منطق المنافسة المفتوحة نحو اعتماد عتبات مالية مرجعية داخل الصفقات العمومية، بحيث لا يُقبل أي عرض يقلّ عن كلفة الأجور القانونية والتكاليف الاجتماعية، لأن النزول تحت هذا المستوى لا يعكس بالضرورة نجاعـة مالية، بل يطرح، في كثير من الحالات، إشكال قابلية التنفيذ واحترام الحد الأدنى من الحقوق.
كما يبرز مطلب جعل آليات الردع أكثر وضوحاً وفعالية، عبر إقرار صيغ علنية ومؤطرة زمنياً تمنع الشركات التي يثبت عدم التزامها المتكرر بالمقتضيات الاجتماعية من الولوج إلى الصفقات العمومية، بما يعزز منطق الشفافية ويؤسس لمنافسة قائمة على احترام القواعد. وفي السياق نفسه، يظل التنسيق بين الإدارات المتعاقدة ومصالح التفتيش عاملاً حاسماً، خاصة مع مفتشية الشغل، بما يضمن الانتقال من مراقبة وثائقية إلى تتبع ميداني يستند إلى معطيات واقعية تعكس ظروف الاشتغال الفعلية.
كما أن النقاش لا يكتمل دون ربط جودة الخدمة بظروف العمل؛ إذ يصعب الحديث عن حراسة فعالة أو نظافة مستدامة في غياب استقرار مهني واجتماعي للعامل. فالأمن الاجتماعي للأجراء يظل، في العمق، امتداداً مباشراً لجودة الخدمة العمومية، وليس عنصراً منفصلاً عنها.
إن كسر “فيتو” الاختلال داخل الصفقات العمومية ليس ترفاً إدارياً، بل هو اختبار حقيقي لهيبة الدولة؛ فإما أن تكون الإدارة حامية لتطبيق القانون داخل فضاءاتها، أو أن تستمر ممارسات تطرح تساؤلات جدية حول فعالية حماية الحقوق داخل فضاءات يُفترض أن تكون النموذج الأول لتطبيق القانون.
