بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد خافياً أن دعوة الحكومة للمركزيات النقابية إلى جولة “حوار أبريل” لا يمكن فصلها عن سياق سياسي واجتماعي دقيق، يتسم بتزايد الضغوط على القدرة الشرائية واقتراب الاستحقاقات التشريعية.
فبعيداً عن قراءة تعتبرها مجرد استمرارية مؤسساتية، تبرز مقاربة أخرى ترى في هذه الخطوة تحركاً تكتيكياً لإعادة ترتيب التوازنات الاجتماعية في مرحلة حساسة.
وتؤكد الحكومة، على لسان ناطقها الرسمي مصطفى بايتاس، تمسكها بالحوار الاجتماعي كخيار استراتيجي منذ تنصيبها. غير أن هذا التأكيد يواجه واقعاً مركباً، حيث تتقاطع انتظارات اجتماعية متزايدة مع تحفظات نقابية بشأن وتيرة تنفيذ الالتزامات السابقة، خاصة في ظل تأثير التضخم على مستويات العيش.
في هذا السياق، تبدو ملامح تفاعل مزدوج المصالح بين الحكومة والنقابات؛ فمن جهة، تسعى السلطة التنفيذية إلى دفع مسار إصلاحات توصف بالحساسة، وعلى رأسها ملف التقاعد، ضمن مقاربة ثلاثية تقوم على مراجعة سن الإحالة على المعاش، ونسب المساهمة، وآليات الاحتساب، وهي اختيارات تُطرح في النقاش العمومي باعتبارها ذات كلفة اجتماعية معتبرة.
ومن جهة أخرى، تحاول التنظيمات النقابية استثمار الظرفية التفاوضية لطرح مطالب مرتبطة بتحسين الأجور والمعاشات وتعزيز الحريات النقابية، في أفق استعادة جزء من ثقة قواعدها.
غير أن ما يجري على طاولة الحوار في الرباط لا يعكس وحده كل موازين القوة؛ فهناك فاعل آخر يفرض حضوره من خارج المؤسسات، يتمثل في “التنسيقيات القطاعية” التي باتت رقماً صعباً في المعادلة الاجتماعية.
فالحكومة تدرك أن أي اتفاق محدود الأثر قد لا ينجح في تهدئة الشارع، بينما تراهن النقابات، في المقابل، على هذه الجولة لاستعادة جزء من شرعيتها الميدانية التي تآكلت أمام تمدد هذه الأطر الاحتجاجية الجديدة.
وبذلك، يصبح الرهان غير المعلن هو استرجاع “مفاتيح الشارع” بقدر ما هو تحقيق مكاسب تفاوضية.
وفي هذا التوازن الدقيق، يُسجل أن بعض المواقف النقابية، كما عبّر عنها قياديون من بينها تصريحات الميلودي مخاريق، تميل إلى ربط الإشكالات القائمة في أنظمة التقاعد بعوامل الحكامة أكثر من ارتباطها بعجز مالي صرف، مع الدعوة إلى تحسين تدبير الموارد قبل اللجوء إلى خيارات تمس مكتسبات المنخرطين.
وهو طرح يعكس اتجاهاً نحو توسيع النقاش من البعد التقني إلى البعد المؤسساتي.
وفي مقابل لغة الأرقام التي تقدمها الحكومة بشأن كلفة الإصلاحات الاجتماعية، والتي تتحدث عن اعتمادات مالية كبيرة، يبرز تساؤل جوهري حول الأثر الحقيقي لهذه التدابير على القدرة الشرائية.
فالتحدي لا يكمن فقط في حجم الزيادات المعلنة، بل في مدى قدرتها على الصمود أمام موجة تضخمية مستمرة، حيث إن أي زيادة لا تواكب هذا الارتفاع تتحول عملياً إلى شكل من أشكال الجمود المقنّع للأجور، لا إلى تحسين فعلي لمستوى العيش.
كما لا يمكن عزل هذا الحوار عن السياق التشريعي الموازي، حيث تبرز ملفات مثل “قانون الإضراب” و”قانون النقابات” كجزء من معادلة أوسع لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والحركة النقابية.
ويبدو أن هذه الأوراق تُستحضر أحياناً ضمن منطق توازن دقيق، يربط بين مرونة اجتماعية مطلوبة من جهة، وتأطير قانوني للفعل الاحتجاجي من جهة أخرى، بما يعكس تداخلاً بين التفاوض الاجتماعي والهندسة القانونية للمجال النقابي.
غير أن القراءة الأوسع لهذه الجولة تبرز أنها لا تتحرك فقط داخل منطق التفاوض الاجتماعي الكلاسيكي، بل تتقاطع مع رهانات مرتبطة بتأمين مناخ اجتماعي متوازن في مرحلة دقيقة.
فالحكومة معنية بالحفاظ على استقرار الإيقاع العام، في حين تسعى النقابات إلى تحقيق مكاسب تفاوضية ملموسة تعيد تثبيت موقعها داخل المشهد الاجتماعي.
ضمن هذا السياق، يبرز ما يمكن توصيفه بـ”توافق مرحلي” يقوم على تبادل إشارات إيجابية: إجراءات اجتماعية جزئية من جهة، ومساهمة في تهدئة منسوب التوتر من جهة أخرى.
غير أن هذا النمط من الترتيبات، وإن كان قادراً على امتصاص الضغط في المدى القصير، يظل رهيناً بمدى قدرته على التحول إلى إصلاحات مستدامة تتجاوز منطق التدبير الظرفي.
إن اختزال الإشكالات الاجتماعية المركبة في جولة تفاوضية واحدة قد لا يعكس حجم التحديات المطروحة، خاصة في ظل ارتباطها بعوامل هيكلية تتجاوز حدود الحوار الظرفي.
فانتظارات المواطنين لا تتجه فقط نحو مخرجات تفاوضية، بل نحو أثر ملموس ينعكس على واقع المعيشة اليومية.
فهل نحن أمام بداية إعادة صياغة للتعاقد الاجتماعي… أم مجرد محطة ظرفية لإعادة ضبط الإيقاع في انتظار ما ستفرزه صناديق الاقتراع؟
