بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد ما يحدث في ملف التسويات المالية لقطاع التربية الوطنية يُفهم فقط باعتباره تعثراً إدارياً عابراً، بل بات يُطرح كاختلال بنيوي يمس علاقة الدولة بموظفيها.
فخروج المستشار البرلماني خالد السطي لمساءلة وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي لا يندرج في خانة الروتين المؤسساتي، بقدر ما يعكس تصاعد منسوب الاحتقان داخل قطاع يُنتظر منه أن يقود رهانات “الريادة”، بينما تظل مستحقات جزء من أطره عالقة لسنوات.
ولا يزال عدد من المعنيين ينتظرون صرف مستحقاتهم منذ 2023 و2024، في مشهد يثير تساؤلات حقيقية حول نجاعة المساطر المالية المرتبطة بالتأشير على المناصب.
وبينما يُقدَّم هذا التأخر في كثير من الأحيان بتبريرات تقنية، يرى متتبعون أن طول الآجال يحوّل الحق القانوني إلى انتظار مفتوح، ويضعف الثقة في جدية تنفيذ القرارات الإدارية.
الإشكال هنا لا يتعلق فقط بتأخر في الأداء، بل بتناقض واضح بين الخطاب الرسمي حول “رقمنة الإدارة” و“الدولة الاجتماعية”، وبين واقع يطرح صعوبات ملموسة في صرف مستحقات ترتبط بالترقية أو التوظيف.
فحين يصبح تنفيذ القرار الإداري رهيناً بمسارات مالية معقدة وطويلة، فإن ذلك يعكس خللاً في الالتقائية بين مختلف مستويات القرار العمومي.
كما يطرح هذا الوضع سؤالاً أوسع حول موقع هذه المستحقات داخل توازنات المالية العمومية: هل يتعلق الأمر فقط بتعثر مسطري، أم أن هناك أولويات مالية تجعل بعض الالتزامات تُؤجَّل بشكل غير مباشر؟ وهل تحولت مستحقات الأساتذة العالقة منذ 2023 إلى نوع من “القرض الإجباري” غير المعلن الذي تتحمله الشغيلة التعليمية في صمت، للمساهمة في امتصاص ضغوط الميزانية؟
المثير للانتباه هو هذه المفارقة في وتيرة تحريك السيولة؛ فبينما تُرصد اعتمادات مهمة في آجال وجيزة لتمويل برامج ومشاريع كبرى، يستمر التأخر في صرف تعويضات الترقية لفئات واسعة من نساء ورجال التعليم.
هذا التباين يطرح تساؤلات مشروعة حول ترتيب الأولويات المالية، ويغذي الانطباع بأن مستحقات الشغيلة قد تتحول، في بعض اللحظات، إلى متغير قابل للتأجيل داخل معادلة تدبيرية معقدة.
وفي المقابل، يرى فاعلون أن استمرار هذا التأخر من شأنه أن ينعكس سلباً على مناخ الثقة داخل القطاع، خاصة وأن فئة التعليم تضطلع بدور محوري في تنزيل الإصلاحات.
فالمسألة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت مرتبطة بصورة الدولة والتزاماتها تجاه موظفيها.
يبقى الرهان اليوم هو الانتقال من منطق التبرير إلى منطق الحسم، عبر تسريع معالجة الملفات العالقة وتحديد آجال واضحة للتسوية بما يضمن احترام الحقوق المكتسبة وإعادة التوازن بين القرار الإداري والتنفيذ المالي، في أفق وضع حد لمنطق “الانتظار المفتوح” الذي طال أكثر مما ينبغي.
إن كرامة نساء ورجال التعليم ليست مجالاً للمساومة أو “التأجيل التقني” المفتوح، بل هي اختبار مباشر لمصداقية الإصلاحات المعلنة.
والمطلوب اليوم لا يقف عند حدود التوضيح، بل يتجاوز ذلك نحو تسوية فعلية وملموسة لملفات ظلت عالقة، بما يعيد الثقة ويؤكد أن الإنصاف ليس شعاراً، بل ممارسة.
