في سابقة غير معهودة داخل منظومة العدالة، لم يعد قرار الهيئة الوطنية للعدول بالمغرب خوض إضراب مفتوح، ابتداءً من 13 أبريل، مجرد خطوة احتجاجية عابرة، بل هو تصعيد مهني غير مسبوق يعكس توتراً متزايداً بشأن منهجية إعداد مشروع القانون المنظم للمهنة.
نحن أمام مشهد يتجاوز المطالب الفئوية الضيقة ليطرح سؤالاً مركزياً: هل أصبحت وزارة العدل، بقيادة عبد اللطيف وهبي، في قلب توازنات مهنية معقدة بدل أن تضطلع بدور الوسيط الضامن لتوازن المهن التوثيقية؟
إن ما يُتداول في الكواليس لا يُختزل في مجرد خلاف تقني، بل يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة التوازنات التي رافقت صياغة مشروع القانون رقم 16.22.
فبين العدول وقطاع التوثيق العصري، يطفو على السطح صراع مهني قديم يتجدد اليوم في قالب تشريعي جديد، ما يطرح تساؤلات غير مباشرة: هل سقطت الوزارة في منطق ترجيح كفة قطاع على حساب آخر؟ وهل تعكس بعض التعديلات المطروحة سعياً لإعادة رسم خريطة النفوذ داخل منظومة التوثيق؟
وفي هذا السياق، لا تبدو مسؤولية تدبير هذا التوتر منفصلة عن المقاربة السياسية المعتمدة. فطريقة إدارة عبد اللطيف وهبي لهذا الملف تعيد إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول أسلوب التعامل مع المهن القضائية، بين منطق الحسم بمنطق الأغلبية ومنطق بناء التوافق المؤسساتي.
وهو ما يدفع إلى طرح سؤال مشروع: هل نحن أمام تدبير تقني لملف إصلاحي، أم أمام اختبار سياسي لطريقة إدارة التوازنات داخل منظومة العدالة؟
وتتجلى ملامح هذا التوتر أيضاً في ما يعتبره المهنيون محدودية التفاعل مع المقترحات والتعديلات المقدمة خلال المسار التشريعي، سواء من طرف الفرق البرلمانية للأغلبية أو المعارضة.
وهنا يبرز تساؤل محوري: إلى أي حد تعكس الصيغة الحالية للقانون تعددية الآراء داخل المؤسسة التشريعية؟ وإذا كان صوت المهنيين لا يجد صداه الكافي، فإن ذلك يعيد طرح إشكالية المقاربة التشاركية كأحد أعمدة الإصلاح الدستوري.
غير أن الوجه الأكثر حساسية في هذه الأزمة يظل هو كلفتها الاجتماعية المباشرة.
فبينما ينشغل الفاعلون بالصراع حول تفاصيل النص القانوني، يجد المواطن المغربي نفسه في واجهة التأثير المباشر: زواج يتأجل، معاملات تتجمد، وإراثات تبقى معلقة.
إنها كلفة يومية تمس الأمن التعاقدي للمغاربة، وتطرح سؤالاً صريحاً حول قدرة الدولة على احتواء هذا التوتر قبل أن يتحول إلى أزمة ثقة أوسع.
إن شعار “كرامة المهنة ليست للمساومة” لا يعكس فقط موقفاً احتجاجياً، بل يختزل صراعاً أعمق حول موقع مهنة العدول داخل هندسة العدالة.
فالنقاش لم يعد تقنياً صرفاً، بل أصبح مرتبطاً بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمهنيين، بين منطق التبعية ومنطق الشراكة.
في المحصلة، يشكل إضراب 13 أبريل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الفاعلين على إعادة بناء جسور الثقة داخل هذا الملف الحساس.
فالسؤال لم يعد فقط: هل سيمر القانون أم لا؟ بل أصبح: بأي كلفة مؤسساتية ومجتمعية سيتم ذلك؟ وهل نحن أمام إصلاح متوازن لمنظومة العدالة، أم أمام مسار قد يمرّ قانونياً، لكنه يترك وراءه سؤال الثقة معلقاً؟
