بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن وزارة الداخلية وجدت نفسها أمام معطيات مقلقة وردت ضمن تقارير مرفوعة من عدد من العمالات والأقاليم، تشير إلى اختلالات محتملة في تدبير التعيينات والصفقات داخل بعض الجماعات الترابية ومجموعات الجماعات، وهو ما دفعها إلى التحرك بشكل مستعجل لإعادة ضبط المساطر وإيقاف ما وصف بـ“فوضى التعيينات”.
هذه المعطيات، التي تهم طريقة تدبير بعض المناصب العليا، تعكس تحولات غير مريحة في منطق الحكامة المحلية، حيث أثيرت تساؤلات حارقة حول مدى احترام الضوابط القانونية المؤطرة للتعيين، خاصة في ما يتعلق بشروط الكفاءة وتكافؤ الفرص، وكذا حالات محتملة لتضارب المصالح أو الجمع بين وضعيات مهنية غير متلائمة مع طبيعة المسؤوليات الجديدة.
في هذا السياق، برز تدخل عبد الوافي لفتيت من خلال توجيه مذكرة إلى الولاة والعمال، دعا فيها إلى التوقف عن التأشير على عدد من قرارات التعيين التي لا تستوفي الشروط القانونية، مع التأكيد على ضرورة التقيد الصارم بالمنشور الوزاري رقم D-7563.
غير أن هذا الاستنفار المفاجئ يطرح علامات استفهام حول “أين كانت أعين الوزارة الوصية طيلة السنوات الماضية؟” وكيف استيقظت فجأة على هذه الاختلالات بينما كانت تجري تحت أنظار الولاة والعمال لسنوات؟ إن منطق “الاستفاقة المتأخرة” يغذي الشكوك في كون الغرض ليس تخليق الحياة الإدارية بقدر ما هو رغبة في إعادة لجام الجماعات وبسط الرقابة المركزية مع اقتراب موعد استحقاقات 23 شتنبر، وهو ما يجعل “المصفاة” تبدو كأداة لتقليم أظافر رؤساء الجماعات الذين يُشتبه في توظيفهم لمناصبهم لتعزيز النفوذ الانتخابي.
في المقابل، ترى مصادر إدارية أن تدخل الوزارة يندرج في إطار تشديد احترام المساطر القانونية، ولا يحمل أي خلفية سياسية، معتبرة أن الظرفية تفرض إعادة الانضباط داخل الجماعات.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن بعض التعيينات التي أثير بشأنها الجدل همّت مناصب حساسة، من قبيل مديري المصالح، حيث تم تسجيل تغييرات متسارعة تفتح باب التأويل حول محاولات “تلغيم” الإدارة المحلية وتأمين مواقع النفوذ عبر حشو الجماعات بجيوش من الموالين استعداداً لمعركة الصناديق.
فإذا كانت التعيينات والصفقات تمر أصلاً عبر “مصفاة” التأشير التي يشرف عليها العمال، فإن المسؤولية عن هذه الاختلالات التدبيرية تظل موزعة بين مختلف المتدخلين، ولا تقع على عاتق الرؤساء وحدهم، ما قد يوحي بأن المركز يتجه نحو إعادة بسط الرقابة على الفاعلين الترابيين، في ظل ما يُثار حول تحول بعض المرافق إلى فضاءات نفوذ محلية تُطرح بشأنها تساؤلات حول طرق تدبير المناصب.
إن هذا الاستنفار المركزي يضع مصداقية “سلطة الوصاية” على المحك؛ فإشهار سلاح القانون في مواجهة ما يُثار حوله من اختلالات في التعيينات لا يكتمل دون مساءلة مختلف حلقات القرار، بما فيها الجهات الترابية المكلفة بالتأشير والمراقبة، من ولاة وعمال، الذين مرت عبر مصالحهم هذه القرارات خلال السنوات الماضية.
غير أن هذا التدخل، في توقيته الحالي، يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، إذ يوحي لدى بعض المتتبعين بأن “المصفاة” قد تتجاوز منطق تدقيق الكفاءة إلى إعادة ضبط موازين النفوذ داخل الجماعات، مع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر.
فإذا كانت الوزارة تتجه فعلاً نحو تخليق التدبير الترابي، فإن الرهان يظل مرتبطاً بمدى تفعيل آليات المحاسبة وترتيب المسؤوليات على مختلف المستويات، بدل الاكتفاء بإرجاع الملفات غير المطابقة.
وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كان الهدف هو ترسيخ الشفافية وحماية المال العام، أم إعادة تنظيم قواعد الاشتغال داخل الحقل الترابي في مرحلة سياسية دقيقة.
