بقلم: الباز عبدالإله
يواجه النموذج الاقتصادي المغربي اليوم اختباراً دقيقاً، حيث لم يعد الإنفاق على البنية التحتية مجرد خيار تنموي، بل تحول إلى رهان استراتيجي يضع استدامة المالية العمومية أمام تحديات متزايدة.
تقرير صندوق النقد الدولي الأخير، وإن حمل إشادة بـ”القاعدة البنيوية” التي شيدتها المملكة، إلا أنه تضمن تنبيهات قوية بشأن كفاءة هذا الإنفاق وقدرته على توليد قيمة مضافة حقيقية تتجاوز منطق التوسع المادي في المشاريع. إن المعطى الرقمي اللافت في التقرير يتمثل في أن نحو 60% من الاستثمارات المرتبطة بملف “مونديال 2030” والبالغة 190 مليار درهم يُرجح أن تُوجَّه نحو تغطية تكاليف الاستيراد.
هذا المعطى يضعنا أمام مفارقة واضحة: تمويل جزء مهم من هذه الاستثمارات يتم عبر موارد مقترضة، في حين أن الأثر المباشر على الدورة الاقتصادية الوطنية يظل محدوداً نسبياً، خاصة في ظل اندماج جزئي للنسيج المقاولاتي المحلي في سلاسل القيمة المرتبطة بهذه المشاريع.
وعلى مستوى الحكامة، يثير التقرير مسألة أولوية الاستثمار في البنية التحتية مقابل نجاعة العائد الاقتصادي، حيث إن المغرب، رغم التقدم المسجل في إنجاز مشاريع كبرى، لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بكفاءة تحويل الإنفاق العمومي إلى نمو فعلي.
فبعض المشاريع، في غياب تخطيط متكامل لما بعد الإنجاز، قد تواجه مخاطر ضعف المردودية الاقتصادية، خاصة إذا لم تُواكب بسياسات داعمة للاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل المستدامة.
ويطرح هنا أيضاً ما يُعرف عالمياً بتحدي “ما بعد الصافرة”، حيث أظهرت تجارب دولية أن بعض المنشآت المرتبطة بكأس العالم قد تتحول إلى مرافق مرتفعة التكلفة من حيث الصيانة وضعيفة الاستغلال بعد انتهاء الحدث، ما يستدعي تصوراً واضحاً لكيفية ضمان استدامة استعمال هذه البنيات.
أما على مستوى التمويل، فتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن اعتماد البرنامج الاستثماري على الدين العمومي قد يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في مستويات العجز والدين، وهو ما قد يقلص هامش تدخل الدولة في مواجهة الصدمات الاقتصادية.
كما يطرح التقرير ما يُعرف اقتصادياً بـ”تزاحم الاستثمار”، حيث يمكن أن يؤدي توسع اقتراض الدولة إلى تقليص ولوج القطاع الخاص إلى التمويل، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة، بما قد ينعكس على دينامية الاستثمار الخاص في المدى القصير.
وفي هذا السياق، يبرز أيضاً تحدي تعظيم الأثر المحلي للاستثمار، من خلال رفع نسبة اندماج المقاولات الوطنية في هذه المشاريع.
فتعزيز ما يُعرف بـ”المحتوى المحلي” في الصفقات العمومية الكبرى يمكن أن يشكل رافعة مهمة لدعم النسيج الاقتصادي الوطني، عبر تمكين المقاولات الصغرى والمتوسطة من الولوج إلى سلاسل التوريد المرتبطة بهذه الأوراش، وتقليص الاعتماد على الاستيراد.
وفي سياق البحث عن توازنات مالية، يطرح التقرير سيناريوهات بديلة، من بينها اللجوء إلى بعض الآليات الجبائية المرتبطة بالاستهلاك، وهو خيار قد يساهم في التحكم في مستويات الدين، لكنه يظل مرتبطاً بتأثيرات محتملة على القدرة الشرائية وعلى الطلب الداخلي، مما يستدعي مقاربة دقيقة توازن بين متطلبات التمويل والاستقرار الاجتماعي.
كما أن الرهان لا يقتصر على الأثر الاقتصادي المباشر، بل يمتد إلى ما يمكن وصفه بالعائد غير المباشر المرتبط بالجاذبية السياحية والتموقع الدولي للمغرب.
فتنظيم تظاهرة عالمية بحجم كأس العالم قد يعزز صورة المملكة كوجهة استثمارية وسياحية، ويفتح المجال أمام تدفقات استثمارية جديدة، وهو ما قد يساهم في موازنة جزء من الكلفة المالية المسجلة خلال مرحلة الإنجاز.
وفي هذا الإطار، يظل سؤال التوازن المجالي مطروحاً، حيث يبرز تحدي ضمان توزيع أكثر إنصافاً لثمار هذه الاستثمارات، بما يتجاوز المدن الرئيسية المستفيدة، نحو تحقيق أثر تنموي أوسع يشمل مختلف الجهات، خاصة المناطق التي تعاني من خصاص في البنيات والخدمات.
ويخلص التقرير إلى أن الاستثمارات المرتبطة بمونديال 2030 يمكن أن تشكل رافعة مهمة للنمو على المدى الطويل، شريطة تنفيذها بكفاءة وفي حدود التوازنات المالية، مع تعزيز آليات التتبع وضبط التكاليف وتفادي أي انزلاقات قد تؤثر على المردودية الاقتصادية لهذه المشاريع.
الرهان اليوم لا يتعلق بحجم الإنفاق، بل بمدى نجاعة توظيفه… فبين فرص الإقلاع الاقتصادي ومخاطر الضغط المالي، يتحدد مستقبل هذه الاستثمارات في تفاصيل الحكامة، لا في أرقام الميزانيات.
نجاح رهان 190 مليار درهم لن يُقاس فقط بجودة المنشآت المنجزة، بل بمدى قدرة هذه الاستثمارات على خلق دينامية اقتصادية مستدامة، تُعزز من اندماج الاقتصاد الوطني، وتدعم جاذبيته، وتُسهم في تحقيق توازن تنموي أكثر شمولاً.
فالمونديال ليس غاية في حد ذاته، بل فرصة ينبغي توظيفها لتحويل لحظة ظرفية إلى مسار تنموي ممتد.
