لم يعد ممكناً المرور مرور الكرام أمام الأرقام القياسية التي سجلها قطاع المعادن في بورصة الدار البيضاء خلال سنة 2025؛ فأن ترتفع الأرباح من 796 مليون درهم إلى أزيد من 3.5 مليار درهم في ظرف سنة واحدة، لا يعكس فقط تحسناً في الأداء، بل يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا التحول: هل نحن أمام إعادة تموقع صناعي حقيقي، أم أمام طفرة ظرفية مدفوعة بعوامل خارجية؟
غير أن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن سياقها الاجتماعي تظل ناقصة؛ فخلال سنة 2025، التي عرفت ضغوطاً متزايدة على القدرة الشرائية وارتفاعاً في أسعار المواد الأساسية، سجل قطاع المعادن أرباحاً غير مسبوقة، في مشهد يوحي وكأننا أمام ديناميتين اقتصاديتين متوازيتين: واحدة تعكس أداءً قوياً في البورصة، وأخرى تعكس تحديات يومية في الواقع المعيش.
وهو ما يعيد طرح السؤال حول مدى ارتباط هذه الطفرة المالية بتحسن ملموس في ظروف عيش المواطنين.
وتشير المعطيات الصادرة عن مراكز أبحاث مالية إلى أن هذه القفزة جاءت مدفوعة بدخول مشاريع جديدة حيز التشغيل، على رأسها مشروع “بوتو” بالسنغال ومشروع “تيزرت” بالمغرب، إلى جانب السياق الدولي المواتي الذي تميز بارتفاع أسعار المعادن.
غير أن هذا المعطى يفتح نقاشاً أوسع حول مفهوم “السيادة الإنتاجية”، إذ أن جزءاً من هذه الأرباح يرتبط بأنشطة خارج الحدود، ما يطرح تساؤلات حول حجم القيمة المضافة التي يتم إنتاجها داخل التراب الوطني، ومدى قدرة الاقتصاد المغربي على تثمين موارده محلياً.
وفي هذا السياق، برزت شركة “مناجم” كفاعل رئيسي في هذا التحول، بعدما سجلت أرباحاً صافية تجاوزت 3 مليارات درهم، مدفوعة بتوسع أنشطتها وتحسن الأسعار العالمية.
غير أن هذا الأداء، رغم أهميته، يدعو إلى التفكير في مدى انعكاس هذه النتائج على الاقتصاد الواقعي، سواء من حيث التشغيل أو دعم النسيج المقاولاتي أو تعزيز سلاسل التوريد المحلية.
وتبرز مسألة العدالة المجالية كأحد أهم زوايا هذا النقاش، إذ أن جزءاً من هذه الثروة يُستخرج من مناطق لا تزال تواجه تحديات تنموية، سواء من حيث البنية التحتية أو الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس هذه الأرباح على التنمية المحلية، ودور الفاعلين الاقتصاديين في تعزيز أثرها داخل هذه المجالات.
من جهة أخرى، يرتبط جزء مهم من هذه الطفرة بسياق دولي مواتٍ، تميز بارتفاع أسعار الذهب والمعادن نتيجة التحولات الجيوسياسية، وهو ما يطرح إشكالية الاستدامة، ومدى قدرة هذا القطاع على الحفاظ على نفس الدينامية خارج هذه الظروف.
فالسؤال لم يعد فقط حول حجم الأرباح، بل حول طبيعتها: هل هي نتيجة تحول هيكلي، أم انعكاس لظرفية دولية مؤقتة؟
كما تكشف هذه الأرقام عن درجة من تمركز الربحية داخل عدد محدود من الفاعلين والقطاعات، في وقت يواجه فيه جزء من الاقتصاد الإنتاجي تحديات مرتبطة بالتضخم وضعف الطلب.
وهو ما يعيد طرح سؤال التوازن بين دينامية الأسواق المالية ومتطلبات الاقتصاد الحقيقي.
إن بلوغ أرباح الشركات المدرجة مستويات تاريخية تناهز 51 مليار درهم سنة 2025 يظل مؤشراً إيجابياً من زاوية السوق، لكنه يطرح في المقابل سؤال توزيع العوائد، ومدى انعكاسها على تحسين ظروف العيش وتعزيز التنمية.
لا يتعلق النقاش فقط بحجم الأرباح أو وتيرة نموها، بل بحق المواطن في نصيبه من هذه الثروات.
فحين ترتفع أرباح قطاع المعادن بـ400%، يصبح من المشروع التساؤل: كيف تنعكس هذه الدينامية على حياة المغاربة، خاصة في المناطق التي تُستخرج منها هذه الموارد؟ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تسجيل أرقام قياسية داخل البورصة، بل في تحويلها إلى أثر ملموس يطال التشغيل والخدمات الأساسية والعدالة المجالية.
دون ذلك، يبقى السؤال الذي يطرحه العنوان قائماً بإلحاح: أين نصيب المغاربة من ذهب المعادن؟
