لم يعد النقاش العمومي في المغرب مجرد ترف فكري، بل تحول إلى محاولة لفهم طبيعة الفعل الحكومي وحدود أثره في الواقع المعيشي.
ففي ظل تعدد الأوراش المعلنة، يبرز تساؤل مركزي حول مدى وضوح “اللمسة الحكومية” في السياسات العمومية، خاصة حين يتم تقديم عدد كبير من المبادرات في إطار “الانسجام مع التوجيهات الملكية”.
في هذا السياق، أكد رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال افتتاح معرض “جيتكس إفريقيا 2026”، أن المغرب اختار نهجاً استراتيجياً يقوم على “التحكم في ثورة الذكاء الاصطناعي بدل الخضوع لها”، معتبراً أن هذا التوجه يجسد إرادة سياسية تروم تحقيق “السيادة التكنولوجية وعدم التبعية في القرار والابتكار”.
وأضاف أن هذه المقاربة مكنت المغرب من التقدم بـ14 مرتبة في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لسنة 2025، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، “تطوراً في الاستراتيجية والحكامة والقدرات المؤسساتية”.
كما أشار إلى إطلاق مبادرات من قبيل معهد “JAZARI ROOT” ومشروع “الذكاء الاصطناعي صنع في المغرب”، إلى جانب تعزيز البنية التحتية الرقمية، من خلال تعميم الألياف البصرية والشروع في نشر تقنية الجيل الخامس (5G)، بهدف بلوغ نسب تغطية واسعة في أفق 2030.
كما أبرز أخنوش أن المملكة نجحت في استقطاب استثمارات كبرى في مجال الخدمات السحابية، من خلال إحداث مراكز متخصصة ومشاريع للبحث والتطوير، معتبراً أن هذه الدينامية تندرج ضمن رؤية تروم خلق فرص الشغل وتطوير كفاءات وطنية قادرة على المنافسة عالمياً.
غير أن هذا العرض، رغم أهميته، يفتح سؤالاً أكثر دقة:
أين تنتهي التوجيهات الاستراتيجية وتبدأ البرامج الحكومية بصيغتها الخاصة؟
فالمجهود الحكومي لا يُقاس فقط بمدى الالتزام بالإطار العام، بل بقدرته على تقديم رؤية تنفيذية واضحة تحمل بصمة سياسية قابلة للتتبع والتقييم، من حيث الأولويات والاختيارات والنتائج.
وفي صلب هذا التحول الرقمي، تبرز معضلة لا تقل أهمية عن الاستثمار والتجهيز: موقع العنصر البشري داخل معادلة الذكاء الاصطناعي.
فبينما تتسارع وتيرة رقمنة الإدارة وأتمتة عدد من الخدمات، يطرح تساؤل مشروع حول مدى جاهزية المنظومة التعليمية والاجتماعية لمواكبة هذه التحولات، خاصة في ما يتعلق بسوق الشغل التقليدي.
هل نحن أمام انتقال تدريجي يدمج الكفاءات ويوسع قاعدة المستفيدين، أم أمام تحول قد يفرز فجوة بين نخبة رقمية صاعدة وفئات لا تزال تواجه تحديات الأمية الرقمية؟
هذه الإشكالية تزداد وضوحاً حين يتم ربط المؤشرات الرقمية بالواقع اليومي للمواطن.
فالتقدم بـ14 مرتبة في مؤشر الجاهزية، رغم دلالته الإيجابية، يظل رقماً يحتاج إلى ترجمة عملية في حياة المواطنين، سواء في المدن الكبرى أو في المناطق الأقل استفادة من الخدمات الرقمية.
إذ إن فعالية أي تحول تكنولوجي تُقاس بقدرته على تبسيط المساطر، وتحسين الولوج إلى الخدمات، وتقليص الفوارق، قبل أن تُقاس بحجم الاستثمارات أو ترتيب المؤشرات.
ولا يقتصر هذا التساؤل على قطاع الرقمنة فقط، بل يمتد إلى مجالات متعددة.
ففي المجال الاقتصادي، تؤكد الحكومة على جاذبية الاستثمار وتعزيز السيادة الإنتاجية، غير أن أثر هذه السياسات يظل موضوع نقاش، خاصة في ظل استمرار تحديات القدرة الشرائية والتفاوتات المجالية.
وهو ما يعيد طرح سؤال وضوح البرنامج الحكومي: هل يتعلق الأمر بسياسات متكاملة ذات أثر مباشر، أم بحزمة مبادرات تحتاج إلى مزيد من الانسجام والفعالية؟
أما في قطاعي الصحة والتعليم، فتُقدَّم إصلاحات مهمة في إطار تعميم الحماية الاجتماعية وتطوير المنظومة التربوية، غير أن تحدي الجودة وفعالية الخدمات يظل حاضراً بقوة.
فبين الإعلان عن الأوراش وتقييم نتائجها، تبرز الحاجة إلى سياسات تنفيذية دقيقة تعكس اختيارات حكومية واضحة، وليس فقط استجابة للإطار العام.
وفي هذا السياق العام، يلاحظ أن المقاربة الحكومية تميل في كثير من الأحيان إلى إبراز البعد التقني والتدبيري، من خلال التركيز على المشاريع والمؤشرات والنتائج الكمية.
غير أن العمل الحكومي، بطبيعته، لا يقتصر على تدبير المشاريع، بل يتطلب أيضاً وضوحاً في الرؤية السياسية، خاصة في ما يتعلق بتوزيع آثار النمو وضمان التوازنات الاجتماعية.
إن الإحالة على التوجيهات الملكية، التي يرسمها الملك محمد السادس، تظل جزءاً من البناء المؤسساتي، غير أن الرهان الأساسي يكمن في إبراز “المشروع الحكومي” ككيان مستقل في مستوى التنفيذ والتدبير.
فوضوح هذا المشروع، بأهدافه وأدواته ومؤشراته، هو ما يسمح بتقييم الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لا يرتبط التحدي بعدد الأوراش أو حجم الاستثمارات، بقدر ما يرتبط بمدى وضوح البرامج الحكومية وقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.
فبين التوجيه كخارطة طريق، والتنفيذ كفعل سياسي يومي، يتحدد ما إذا كانت السياسات العمومية تعكس مشروعاً حكومياً متكاملاً، أم تظل في إطار عام يحتاج إلى مزيد من التحديد والفعالية.
