بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن صباح اليوم الثلاثاء بمنطقة عي برجة (حقل الرماية) بعمالة مقاطعات الحي المحمدي بالدار البيضاء مجرد إجراء إداري روتيني لترحيل قاطني دور الصفيح، بل تحول إلى ساحة توتر ميداني أعادت إلى الواجهة الأسئلة المؤجلة حول كلفة المقاربة المعتمدة في تدبير الملفات الاجتماعية، ومدى نجاعة قنوات الوساطة بين الإدارة والمواطن.
فقد عكس مشهد الرشق بالحجارة والقنينات الزجاجية الذي استهدف القوات العمومية وأعوان السلطة حالة من الاحتجاج التي برزت مع انطلاق عملية الإخلاء، حيث أسفرت المواجهات عن تسجيل إصابات في صفوف المتدخلين، في مشهد نقل الواقعة من سياقها التدبيري إلى منحى أمني يطرح تساؤلات حول شروط تنفيذ قرارات الإخلاء ميدانياً.
كشفت مصادر مهنية أن عملية الترحيل تندرج ضمن برنامج واسع يهدف إلى القضاء على السكن غير اللائق بالعاصمة الاقتصادية، في إطار مقاربة رسمية تراهن على توفير سكن بديل باعتباره مدخلاً لتحسين ظروف العيش وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته على مستوى التخطيط، يواجه في مرحلة التنفيذ تحديات مرتبطة بما يمكن وصفه بـ“فجوة في الثقة”، حيث تتباين الرواية المؤسساتية التي تتحدث عن جاهزية الوحدات البديلة، مع تصورات جزء من الساكنة التي تثير تساؤلات مرتبطة بالبعد الجغرافي عن مراكز العمل، والكلفة المالية، إضافة إلى محدودية التواصل الاستباقي القائم على الإشراك.
إن ما جرى في “عي برجة (حقل الرماية)” يعيد طرح سؤال الوساطة؛ فضعف حضور المنتخبين والفاعلين المدنيين في مواكبة مثل هذه العمليات يساهم في اتساع هامش التوتر.
كما يكشف هذا التحول من “إجراء إداري” إلى “اختبار ميداني” أن تدبير قضايا ذات حساسية اجتماعية لا يمكن أن يقتصر على المقاربة التقنية، بل يتطلب مواكبة اجتماعية وتواصلاً فعالاً يراعي خصوصيات الواقع.
وتضع هذه الواقعة سلطات الدار البيضاء أمام تحدٍ مزدوج: تسريع وتيرة معالجة السكن غير اللائق من جهة، وضمان انتقال منظم يحفظ التوازن الاجتماعي من جهة أخرى.
فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بتحقيق مؤشرات الإنجاز، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق أثر اجتماعي مستدام ينسجم مع انتظارات المواطنين.
ليست واقعة “عي برجة (حقل الرماية)” مجرد حادث معزول في سياق تدبير السكن غير اللائق، بل تعكس تحديات مرتبطة بتنزيل السياسات العمومية على أرض الواقع.
فبين تصور إداري يعتمد على التخطيط والبرمجة، وواقع اجتماعي تحكمه اعتبارات العيش اليومي، تظهر الحاجة إلى مقاربات أكثر توازناً تقوم على التواصل والوساطة.
إن نجاح برامج إعادة الإيواء لا يقاس فقط بعدد الأسر المستفيدة، بل بمدى قدرتها على تحقيق اندماج فعلي ومستقر داخل النسيج الحضري.
