بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن السؤال الكتابي الذي وجّهه المستشار البرلماني خالد السطي مجرد إجراء بروتوكولي داخل مجلس المستشارين، بل حمل معه معطيات تعكس جانباً من واقع التعليم الأولي، وتعيد طرح تساؤلات حول التوازن بين توسيع هذا الورش وضمان الاستقرار المهني للأطر التربوية.
وأشار السطي، في مراسلته الموجهة إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، إلى أن فئة من أساتذة ومربيات التعليم الأولي تشتغل في إطار شراكات مع جمعيات ومؤسسات وسيطة، خارج منظومة الوظيفة العمومية، وهو ما ينعكس وفق مضمون السؤال
على طبيعة العقود، والاستقرار الوظيفي، والاستفادة من عدد من الحقوق الاجتماعية.
ويُفهم من اعتماد نموذج الشراكات مع الجمعيات أنه اختيار تدبيري ارتبط أيضاً باعتبارات الكلفة، أكثر منه تصوراً بيداغوجياً صرفاً، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستوى الحماية المهنية والقانونية التي يستفيد منها المربون، في ظل تعدد المتدخلين وتباين أنماط التدبير.
كما يعيد هذا النموذج إلى الواجهة نقاشات سابقة مرتبطة بأنماط التشغيل في القطاع التعليمي، حيث يرى متتبعون أنه يقترب من منطق “التعاقد غير المباشر”، بما يضع فئة من المربين في وضعية مهنية بين القطاع العمومي والعمل الجمعوي، دون وضوح كافٍ في الضمانات المهنية والاجتماعية.
وتُبرز هذه المعطيات مفارقة واضحة بين الدينامية التي يعرفها تعميم التعليم الأولي، وبين النقاش المتزايد حول أوضاع الموارد البشرية المكلفة بتنزيل هذا الورش.
فبينما تحقق المؤشرات الكمية تقدماً ملحوظاً، يظل سؤال الاستقرار المهني مطروحاً بإلحاح داخل هذا النموذج التدبيري.
وفي هذا السياق، يطرح الواقع الميداني تساؤلات حول أثر هذه الوضعية على جودة التأطير التربوي، إذ يصعب فصل استقرار المربي النفسي والمهني عن قدرته على أداء دوره في بناء التعلمات الأولى، خاصة في مرحلة دقيقة من المسار الدراسي.
كما أن تقييم نجاح “ورش التعميم” لا يمكن أن يقتصر على المؤشرات الكمية فقط، بل يستدعي أيضاً قياس مدى استدامة النموذج وقدرته على تحقيق توازن فعلي بين توسيع العرض التربوي وضمان شروط العمل اللائق للأطر التربوية.
وفي مقابل ذلك، يظل مطلب إرساء إطار قانوني أكثر وضوحاً مطروحاً بقوة، بما يحد من تشتت المسؤوليات ويعزز انسجام السياسات العمومية في هذا المجال، ويمنح الفاعلين التربويين رؤية أكثر استقراراً لمستقبلهم المهني.
إن هذا النقاش يضع منظومة التعليم الأولي أمام تساؤلات جوهرية: هل يمكن لمنظومة تربوية أن تحقق أهدافها في ظل أوضاع مهنية غير مستقرة لجزء من أطرها؟ وهل تستطيع الشراكات، مهما بلغت إمكانياتها، أن تعوض الدور المركزي للدولة في ضمان الحقوق المهنية والاجتماعية؟ إن الإجابة عن هذه الإشكالات هي التي ستحدد ما إذا كنا بصدد بناء مدرسة عمومية متماسكة، أم مجرد توازن مرحلي تحكمه اعتبارات ظرفية أكثر من كونه اختياراً استراتيجياً مستداماً.
