بقلم: الباز عبدالإله
من هنا يبدأ طرح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام وعد انتخابي بريء، أم أمام محاولة لإعادة ترتيب الذاكرة الجماعية؟ إن تحويل ملف “الساعة الإضافية” إلى ورقة سياسية مركزية لا يعكس فقط حساً تكتيكياً، بل يكشف أيضاً عن براغماتية سياسية تراهن على القضايا القريبة من الحياة اليومية للمواطن.
عودة عبد الإله ابن كيران لإشهار خيار إلغاء الساعة كأولوية، تضعنا أمام مفارقة لافتة؛ فالنقاش اليوم لا ينفصل عن مرحلة سابقة عرفت قرارات اقتصادية صعبة، من بينها إصلاح صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات، وهي اختيارات قُدمت حينها كضرورة لضبط التوازنات المالية، لكنها خلفت في المقابل نقاشاً واسعاً حول كلفتها الاجتماعية.
في هذا السياق، لم تكن “الساعة الإضافية” مجرد قرار تقني، بل تحولت في وعي جزء من الرأي العام إلى تعبير عن ما يمكن تسميته بـ“الزمن الاقتصادي”، حيث يتم ضبط إيقاع الدولة وفق متطلبات الشركاء والأسواق. لذلك، يُقدَّم التعهد بإلغائها اليوم وكأنه استرجاع لـ“زمن سيادي”، وهو خطاب يحمل حمولة رمزية قوية، ويخاطب إحساساً جماعياً بالتحكم في القرار الوطني.
غير أن هذا الطرح يفتح بدوره باباً آخر للتساؤل: هل يمكن اختزال أزمة معيشية مركبة في مسألة توقيت؟ فالمواطن الذي يواجه ارتفاع أسعار المواد الأساسية قد يرى في “الساعة” متنفساً نفسياً، لكنه سيجد نفسه، بعد أي تغيير محتمل، أمام نفس الإكراهات اليومية.
هل نغير التوقيت لنستيقظ على ضوء الشمس، بينما تظل كلفة العيش على حالها؟
كما يبرز هنا سؤال “انتقائية الجرأة”: لماذا ظهرت الحسمية السياسية في قرارات اقتصادية كبرى رغم كلفتها الاجتماعية، بينما لم تحظَ ملفات ذات أثر يومي مباشر، مثل التوقيت، بنفس الحسم في فترات سابقة؟ هذا التفاوت في التعاطي يوحي بأن منطق اتخاذ القرار قد يتغير بين منطق الدولة ومنطق اللحظة الانتخابية.
إلى جانب ذلك، يغيب في كثير من الأحيان نقاش البدائل الواقعية؛ فالحلول لا تقتصر بالضرورة على الإلغاء الشامل، بل قد تمر عبر مرونة في تنظيم الزمن الإداري والمدرسي، بما يخفف من الآثار الاجتماعية دون الاصطدام بإكراهات الاقتصاد والمبادلات الدولية.
إن محاولة مقايضة “إرث المقاصة” بـ“ورقة الساعة” تبدو، في جوهرها، رهاناً على الذاكرة القصيرة. فالمواطن الذي يطالب باسترجاع ساعته، يطالب أيضاً باسترجاع قدرته الشرائية.
وقد تنجح بعض القرارات الرمزية في استقطاب الانتباه، لكنها تظل عاجزة عن الإجابة عن السؤال الأعمق: كيف يمكن استعادة التوازن بين متطلبات الاقتصاد وكرامة العيش؟
يبقى الرهان الحقيقي ليس في تغيير عقارب الساعة، بل في تقديم اختيارات واضحة تعالج جذور الإشكال، بعيداً عن الاختزال أو التعويض الرمزي.
