بقلم: الباز عبدالإله
كشفت معطيات مهنية أن الحراك الذي تقوده “التنسيقية الوطنية لموظفي وزارة الداخلية” لا يندرج فقط ضمن مطالب فئوية، بل يعكس تحولات في طريقة التعبير عن انتظارات فئة محورية داخل الإدارة الترابية، ويطرح تساؤلات حول مدى مواكبة أنظمة التدبير الحالية للتحولات التي يعرفها المرفق العمومي.
وفي هذا السياق، يبرز نقاش مهني حول مفارقة قائمة: كيف لقطاع يضطلع بأدوار مركزية في تنزيل الأوراش الكبرى وبرامج الدعم الاجتماعي، أن يظل فيه جزء من موارده البشرية يطرح إشكالات مرتبطة بالوضعية الأجرية والمسار المهني؟
بينما تفتخر الحكومة بأرقام الرقمنة ونجاحات الأوراش الاجتماعية، يرزح ما يُوصف بـ”جيش الظل” داخل وزارة الداخلية تحت وطأة أنظمة أساسية تعود لسنوات طويلة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انسجام مسار التحديث الإداري مع أوضاع الموارد البشرية المكلفة بتنزيله.
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال مهني: إلى أي حد يمكن تحقيق أهداف “الدولة الاجتماعية” في ظل استمرار نقاش حول الإحساس بالإنصاف المهني داخل هذا القطاع؟
فمنذ سنوات، لم يعد موظف وزارة الداخلية مجرد إطار إداري بالمعنى التقليدي، بل أضحى يؤدي أدواراً متعددة تتقاطع فيها المهام التقنية والميدانية؛ من المساهمة في عمليات الإحصاء، إلى تنسيق برامج الدعم الاجتماعي، وصولاً إلى لعب دور محوري في اليقظة الميدانية وتتبع تنفيذ السياسات العمومية على المستوى الترابي.
هذه التعددية في الأدوار، التي تفرض جاهزية مستمرة وتكيفاً سريعاً مع مختلف السياقات، تعيد طرح سؤال التوازن بين طبيعة المهام ومنظومة التعويضات المصاحبة لها.
وتسلط الوثيقة المطلبية، من زاوية أصحابها، الضوء على اختلالات مرتبطة بتفاوتات أجرية مقارنة مع قطاعات أخرى، وهو ما يفتح نقاشاً أوسع حول مبدأ تكافؤ الفرص داخل الوظيفة العمومية، ومدى قدرة النماذج الحالية على مواكبة التحولات التي يعرفها دور الإدارة الترابية.
وفي ارتباط بذلك، يبرز بعد آخر يتعلق بالأوراش الكبرى التي تراهن عليها الدولة، من قبيل السجل الاجتماعي الموحد وبرامج إعادة الإعمار، والتي تعتمد في جزء كبير من نجاحها على النجاعة الميدانية للموظف الترابي.
وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: إلى أي حد يمكن ضمان فعالية هذه البرامج دون توفير شروط مهنية محفزة للعنصر البشري المكلف بتنزيلها؟ إذ يظل الارتباط وثيقاً بين جودة التنفيذ ومستوى الرضا الوظيفي داخل الإدارة.
كما تُقدَّم المطالبة بإحداث نظام أساسي خاص كمدخل لتنظيم الوضعية الإدارية بشكل أوضح، وتحديد معايير الترقية والحركية وفق قواعد أكثر شفافية.
فغياب إطار مرجعي دقيق في هذا المجال، بحسب عدد من المتتبعين، قد يحد من وضوح المسارات المهنية ويؤثر على جاذبية القطاع، الذي كان تاريخياً من بين أكثر القطاعات استقطاباً للكفاءات.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المهتمين أن المطالب المطروحة اليوم تتجاوز بعدها الظرفي، لتلامس الحد الأدنى اللازم لإعادة التوازن داخل المنظومة المهنية، بما يضمن استمرارية الأداء وجودته، دون أن يعني ذلك إغفال التحديات المرتبطة بالكلفة المالية للإصلاح وضرورة اعتماد مقاربات تدريجية تأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المتاحة.
يطرح ملف موظفي وزارة الداخلية سؤالاً يتجاوز البعد الفئوي، ليرتبط بمدى قدرة الإدارة العمومية على تحقيق التوازن بين متطلبات النجاعة وضمان بيئة مهنية محفزة. فمعالجة هذا الملف لا تندرج فقط ضمن تحسين الوضعية المهنية لفئة من الموظفين، بل تمتد إلى تعزيز فعالية المرفق العمومي على المستوى الترابي، حيث يظل الرأسمال البشري أحد أهم مفاتيح نجاح أي إصلاح مؤسساتي.
