بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد ورش تعميم التغطية الصحية مجرد إصلاح اجتماعي تقني، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين الإنصاف والاستدامة.
وفي قلب هذا التحول، يبرز مشروع الدمج المرتقب بين CNOPS وCNSS كأحد أكثر الملفات حساسية، حيث تتقاطع رهانات التوحيد مع أسئلة عميقة حول توزيع الكلفة وحدود التضامن.
في هذا السياق، شدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على ضرورة تحقيق التقائية تدريجية بين أنظمة التأمين، مع توحيد القواعد المرتبطة بالاشتراكات والتعويضات وسلة العلاجات، محذراً في الآن ذاته من مخاطر نقل اختلالات مالية بنيوية إلى نظام موحد دون إصلاحات قبلية وآليات قيادة فعالة.
غير أن القراءة الدقيقة للمعطيات تفتح نقاشاً يتجاوز الجانب التقني، خاصة في ما يتعلق بالبنية الديمغرافية لكل نظام.
فبينما يواجه نظام CNOPS ضغطاً متزايداً بفعل ارتفاع عدد المتقاعدين مقارنة بالمنخرطين النشطين، يستفيد CNSS من قاعدة أوسع من الأجراء النشطين. وهو ما يطرح، في العمق، تساؤلاً أكثر حساسية: هل نحن أمام تضامن منظم، أم أمام نوع من “الإنقاذ القسري” لصندوق القطاع العام عبر توسيع قاعدة التحمل؟ وهي مخاوف لم تعد تقتصر على الخطاب النقابي، بل تفرضها مؤشرات ديمغرافية ومالية متباينة بين النظامين.
وفي قلب هذه الإشكالات، تعود التعريفة الوطنية المرجعية، المجمدة منذ سنة 2006، لتطرح نفسها كأحد أعمدة الاختلال الصامت، إذ لم تعد تعكس الكلفة الحقيقية للعلاجات، مما يوسع الفجوة بين ما يغطيه النظام وما يتحمله المؤمن فعلياً.
ويُنظر إلى هذا الجمود، من طرف عدد من المتتبعين، باعتباره أشبه بـ“ضريبة صامتة” يؤديها المريض من جيبه، في ظل تفاوت ملحوظ في تسعير الخدمات داخل القطاع الخاص.
كما تبرز إشكالية “الحقوق المغلقة” كأحد أبرز مظاهر التعقيد الإداري، حيث يجد بعض المنخرطين أنفسهم خارج دائرة الاستفادة لأسباب تقنية أو تأخيرات في الأداء، وهو ما دفع المجلس إلى الدعوة الصريحة لإلغائها، ضماناً لولوج فعلي وغير مشروط للعلاجات، بما ينسجم مع روح التعميم.
أما رهان إدماج القطاع غير المهيكل، فيطرح بدوره سؤال “المقابل” في معادلة الانخراط. إذ إن توسيع قاعدة المساهمين يظل رهيناً بمدى قدرة المنظومة الصحية، خاصة العمومية، على تقديم خدمات تستجيب لتطلعات هذه الفئات.
فبدون تحسين ملموس في جودة الاستقبال، وتقليص آجال المواعيد، وتعزيز البنيات الاستشفائية، قد يظل هذا الرهان نظرياً أكثر منه واقعياً.
وفي جانب آخر، يتقاطع ورش الدمج مع معركة أكثر تعقيداً تتعلق بضبط النفقات الصحية، حيث يبرز تأخر تعميم الوصفة الطبية الإلكترونية والبروتوكولات العلاجية كأحد العوامل التي تعيق التحكم في الكلفة.
ويرى متتبعون أن هذا التأخر لا يرتبط فقط بإكراهات تقنية، بل يعكس أيضاً توازنات مهنية قائمة تستفيد من غياب التقنين الصارم للممارسات العلاجية والفوترة.
إن دمج الصناديق، في جوهره، ليس مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل لحظة مفصلية لإعادة تعريف معنى التضامن داخل النظام الصحي. فبين طموح الإنصاف وضغط التوازنات، سيظل نجاح هذا الورش رهيناً بقدرته على تحقيق عدالة فعلية، لا مجرد توحيد شكلي للأرقام.
