يبدو أن توجه الاستثمار نحو بعض القطاعات الحيوية في المغرب لم يعد مجرد خيار اقتصادي محدود، بل أصبح موضوع نقاش متزايد يطرح اليوم أسئلة جديدة داخل قطاع الصيدلة؛ هذا المجال الذي ظل لسنوات قائماً على توازن بين المعرفة العلمية والمسؤولية الصحية.
وقفة الصيادلة التي نُظمت أمس الخميس أمام مقر مجلس المنافسة بالرباط، بمشاركة مهنيين من مختلف جهات المملكة، لم تكن فقط تعبيراً مهنياً، بل عكست انشغالات حقيقية حول مستقبل مفهوم “الأمن الدوائي” في ظل حديث متزايد عن فتح رأسمال الصيدليات.
كشفت مصادر مهنية أن هذا النقاش يرتبط بتوجهات ترى في الانفتاح على الاستثمار فرصة لتحديث القطاع وتعزيز تنافسيته، غير أن مهنيين يعتبرون أن هذا التحول يطرح تحديات دقيقة، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على استقلالية القرار الصيدلي، الذي يُفترض أن يظل مرتبطاً أولاً بمصلحة المريض.
فالفاصل بين تطوير القطاع والحفاظ على طبيعته الصحية يظل دقيقاً، خصوصاً إذا أصبح الصيدلي مطالباً بالتوفيق بين اعتبارات مهنية وأخرى مرتبطة بالأداء الاقتصادي.
وفي قلب هذا النقاش، يبرز دور “صيدلي الحي” باعتباره المستشار الأول للمواطن، وملاذاً صحياً يومياً لفئات واسعة، خاصة في الأحياء الشعبية، حيث يتحول في كثير من الأحيان إلى ما يشبه “طبيب الفقراء” بحكم قربه واستماعه المباشر لانشغالات المرضى.
هذا الدور الإنساني يطرح بدوره تساؤلات حول مدى قدرة نماذج استثمارية كبرى على الحفاظ على نفس مستوى القرب والتفاعل، في ظل أولويات قد تكون مرتبطة أكثر بمؤشرات الأداء والربحية.
وفي هذا السياق، يحذر بعض الفاعلين من انزلاق محتمل نحو ما يصفونه بـ”تسليع المرض”، حيث قد تتحول الصيدلية تدريجياً من فضاء للرعاية الصحية إلى نقطة بيع تخضع لمنطق السوق.
كما تُطرح تساؤلات حول إمكانية بروز أشكال من “الاحتكار الناعم” داخل القطاع، في حال توسعت شبكات استثمارية كبرى على حساب الصيدليات المستقلة، وهو ما قد يضع الأمانة العلمية في مواجهة ضغوط مرتبطة بالأداء المالي.
ولا يقف النقاش عند حدود المهنة، بل يمتد إلى الواقع المعيش للمواطن، حيث يطرح البعض سؤالاً مشروعاً: هل سيضطر المواطن مستقبلاً للبحث عن دواء في صيدلية تشبه السوبر ماركت، حيث العروض التجارية تسبق النصيحة الطبية؟ وهو تخوف يجد صداه في تجارب سابقة، يرى متتبعون أنها أظهرت تعقيدات تحرير بعض القطاعات، مثل المحروقات أو التعليم الخصوصي، وما رافقها من نقاش حول التوازن بين الجودة والكلفة.
كما يكتسي هذا الملف بعداً يتجاوز النقاش المهني الضيق، ليصل إلى مستوى أوسع مرتبط بمفهوم السيادة الصحية، حيث يُنظر إلى الأمن الدوائي كأحد مكونات السيادة الوطنية، وليس مجرد خدمة تجارية خاضعة لمنطق السوق.
ومن هذا المنطلق، تطرح الوقفة الاحتجاجية أمام مجلس المنافسة تساؤلاً محورياً: هل سيتعامل المجلس مع هذا الملف من زاوية حرية المنافسة فقط، أم سيأخذ بعين الاعتبار خصوصية قطاع يرتبط بشكل مباشر بصحة المواطنين وحمايتهم؟
كما يثير هذا التوجه تساؤلات حول التوازن المجالي في توزيع الصيدليات، إذ يخشى بعض الفاعلين من احتمال تركيز الاستثمار في المناطق الأكثر جاذبية اقتصادياً، مقابل استمرار الخصاص في بعض المناطق الأخرى.
وهو ما يطرح إشكال ضمان ولوج متكافئ إلى الدواء، باعتباره عنصراً أساسياً ضمن منظومة الصحة.
في المقابل، يرى متتبعون أن أي إصلاح محتمل يمكن أن يشكل فرصة لتطوير القطاع، شريطة تأطيره بضوابط واضحة تضمن التوازن بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على البعد الصحي للمهنة.
ويؤكد هؤلاء أن الرهان لا يتعلق برفض التغيير في حد ذاته، بل بكيفية تدبيره بما يحفظ استقرار المهنة ويعزز ثقة المواطن في المنظومة.
فهل نحن أمام مسار تحديث متوازن، أم أمام تحول يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل أحد أهم مكونات الأمن الدوائي بالمغرب؟
