لم يكن عرض الحصيلة الحكومية أمام البرلمان، بحسب تفاعل المعارضة، مجرد تمرين دستوري روتيني، بل تحول إلى لحظة سياسية مشحونة أعادت النقاش حول مدى تطابق لغة الأرقام الرسمية مع واقع المعيش اليومي.
وفي هذا السياق، اعتبر عبد الله بووانو أن العرض الحكومي يعكس، وفق تقديره، نوعاً من “الانفصال” بين المؤشرات المعلنة وانتظارات فئات واسعة من المغاربة، متسائلاً عما إذا كانت هذه الأرقام كافية لتعكس فعلياً الأثر الاجتماعي للسياسات العمومية.
وفي تصريحه الصحفي، لم يخفِ بووانو تشكيكه في بعض المعطيات المرتبطة بالنمو الاقتصادي، مشيراً إلى أن الحديث عن نسبة تصل إلى 5 في المائة يظل، حسب قراءته، محل نقاش، مبرزاً أن المتوسط الذي يمكن اعتماده، وفق تقديره، لا يتجاوز 3.8 في المائة.
واعتبر أن هذا التفاوت يعكس، بحسب تعبيره، “قراءة انتقائية” لبعض المؤشرات، تركز على الجوانب الإيجابية دون استحضار الصورة الكاملة.
ويمتد هذا الجدل إلى ملف التشغيل، الذي يظل أحد أكثر المؤشرات حساسية في تقييم الأداء الحكومي.
إذ أشار المتحدث إلى أن الأرقام المرتبطة بمناصب الشغل المحدثة لا تعكس، وفق تقديره، الوضع الحقيقي لسوق العمل، مبرزاً أن معطيات المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى معدل بطالة في حدود 13 في المائة، مقابل صافي مناصب لا يتجاوز، بحسب قراءته، 94 ألف منصب سنوياً.
كما انتقد ما اعتبره تركيزاً على المناصب المضافة دون احتساب تلك التي فُقدت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يطرح، وفق تصريحه، إشكال دقة التقييم الشامل.
وفي قطاع التعليم، اعتبر بووانو أن بعض الأرقام المقدمة بشأن تطور الميزانية تثير نقاشاً حول مدى انعكاسها الفعلي على جودة الخدمات، مشدداً على أن تقييم الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على المؤشرات المالية، بل يتطلب قياس الأثر الميداني على المنظومة ككل.
كما ربط المسؤول البرلماني الحصيلة الحكومية بتنامي الاحتجاجات في عدد من القطاعات، من طلبة وأساتذة وموظفين ومحامين، معتبراً أن هذه الدينامية تعكس، من وجهة نظره، توتراً في العلاقة بين السياسات العمومية وانتظارات فئات مهنية واجتماعية، سواء في المجال الحضري أو القروي.
وفي محور لا يقل حساسية، أثار بووانو مسألة تضارب المصالح في بعض الملفات المرتبطة بقطاعات استراتيجية، من قبيل مشاريع تحلية المياه والطاقة، متسائلاً عن حكامة تدبير هذه المجالات، ومشيراً، في هذا السياق، إلى ما اعتبره مؤشرات مقلقة، من بينها تراجع ترتيب المغرب في مؤشر إدراك الفساد الصادر عن Transparency International.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة، في عرضها أمام البرلمان، أن الحصيلة تعكس تقدماً تدريجياً في تنزيل عدد من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، في سياق يتسم بتحديات دولية وضغوط ظرفية، معتبرة أن المؤشرات المسجلة تندرج ضمن مسار إصلاحي طويل الأمد.
غير أن الجدل حول هذه الحصيلة لا يبدو مرشحاً للتوقف عند حدود المؤسسة التشريعية، إذ يتجاوز، في عمقه، مجرد اختلاف تقني حول الأرقام، ليتحول إلى نقاش أوسع حول “مصداقية” الخطاب العمومي.
فبينما تصر الحكومة على تقديم إنجازاتها من خلال مؤشرات رقمية، تعكس انتقادات المعارضة، كما عبّر عنها بووانو، دعوة لإعادة ربط هذه الأرقام بواقع المعيش اليومي، حيث لا تُقاس السياسات فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، بل بمدى أثرها الملموس على القدرة الشرائية وجودة الخدمات الأساسية.
وبين خطاب “التفاؤل الرسمي” وقراءة “النقد المعارض”، يظل الرهان الحقيقي في نظر المتتبعين هو قدرة السياسات العمومية على ترجمة المؤشرات إلى نتائج ملموسة، تعيد بناء الثقة وتمنح للأرقام معناها داخل الحياة اليومية للمواطن، بعيداً عن منطق التأويلات السياسية المتباينة.
