بقلم: الباز عبدالإله
علمت جريدة «الأخبار»، وفق ما أوردته نقلاً عن مصادرها، أن نقاشاً متصاعداً يدور داخل الأوساط المرتبطة بتدبير الشأن المحلي بمدينة مراكش، بشأن معطيات تهم بعض صفقات التهيئة الحضرية، وهو ما أعاد هذا الملف إلى واجهة الاهتمام، ليس فقط من زاوية التدبير التقني، بل أيضاً من زاوية الحكامة والشفافية.
لم يعد تدبير قطاع التعمير والتهيئة بالمدينة مجرد نقاش تقني مرتبط برخص البناء أو تصاميم التهيئة، بل أضحى موضوعاً يثير تساؤلات متزايدة، في ظل تداول معطيات تطرح علامات استفهام حول كيفية صرف اعتمادات مالية مهمة موجهة لتأهيل الفضاءات الحضرية، ومدى انعكاسها الفعلي على جودة المشاريع المنجزة.
وتفيد المعطيات ذاتها بأن نقاشاً داخلياً بدأ يتشكل حتى داخل بعض مكونات الأغلبية المسيرة لمجلس الجماعة، يتمحور حول ضرورة إخضاع عدد من صفقات التهيئة، خاصة المرتبطة بالمساحات الخضراء، لافتحاص دقيق من طرف الهيئات المختصة، وذلك بهدف التحقق من مدى احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص المنصوص عليها في القوانين المؤطرة للصفقات العمومية.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات حول طبيعة المنافسة في بعض هذه الصفقات، وما إذا كانت قد تمت في ظروف تضمن فعلاً الولوج المتكافئ للفاعلين الاقتصاديين، أم أن هناك مؤشرات تستدعي التحقق من احتمال وجود تقاطعات بين المسؤولية الانتدابية والمصالح الاقتصادية، بما قد يثير شبهة تضارب مصالح تستوجب التقييم المؤسساتي.
في هذا السياق، لا يتعلق الأمر بإطلاق أحكام جاهزة، بقدر ما يرتبط بترسيخ ثقافة التدقيق وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في مدينة بحجم مراكش، التي تشكل واجهة سياحية واقتصادية كبرى، وتستقطب مشاريع تهيئة باستثمارات مالية مهمة، ما يفرض مستوى عالياً من اليقظة في تدبير المال العام.
كما أن إثارة هذه القضايا من داخل النقاش المحلي تعكس تحوّلاً لافتاً في منسوب الوعي بأهمية حكامة الصفقات العمومية، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على المعارضة، بل بدأ يمتد إلى داخل الأغلبية نفسها، وهو ما يعزز الحاجة إلى تدخل مؤسساتي هادئ وموضوعي يهدف إلى توضيح المعطيات وترتيب المسؤوليات إن اقتضى الحال.
وفي هذا الإطار، يظل دور هيئات الرقابة، وفي مقدمتها المجالس الجهوية للحسابات والمفتشيات العامة، محورياً في مواكبة مثل هذه الملفات، ليس فقط من زاوية البحث عن اختلالات محتملة، بل أيضاً من أجل تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة وضمان شفافية تدبير المشاريع العمومية.
وفي امتداد لهذا النقاش، تذهب بعض القراءات إلى اعتبار أن ما يُتداول حول صفقات التهيئة بمراكش يعكس مؤشرات على مرحلة جديدة عنوانها ارتفاع منسوب المطالبة بالشفافية وتوسيع دائرة المساءلة.
فالمعطيات المتداولة، بما تحمله من تساؤلات حول طبيعة بعض الصفقات، تضع تدبير الشأن المحلي أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى القدرة على القطع مع كل ما من شأنه أن يثير شبهة تضارب المصالح أو يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
كما تطرح هذه التطورات أسئلة أعمق حول حدود التداخل بين المسؤولية الانتدابية والمصالح الاقتصادية، وحول مدى نجاعة الآليات المعتمدة لضمان تكافؤ الفرص ونزاهة المنافسة في الصفقات العمومية، وهي أسئلة لا تستهدف إصدار أحكام جاهزة، بقدر ما تعكس حاجة ملحة إلى توضيح المعطيات وترسيخ قواعد الحكامة الجيدة.
وفي هذا الإطار، تبدو المؤسسات الرقابية، وعلى رأسها المجالس الجهوية للحسابات والمفتشيات العامة، أمام لحظة مفصلية لاختبار نجاعة تدخلها في تعزيز الشفافية وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء، بما من شأنه أن يعزز الثقة في تدبير المال العام ويكرّس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في إنجاز المشاريع أو رصد الاعتمادات، بل في ضمان وضوح المساطر ونزاهة التنافس، بما يجعل الصفقة العمومية أداة للتنمية المجالية، لا موضوعاً للتساؤل.
فحين تتقاطع السياسة بالاقتصاد، يصبح الاحتكام للمؤسسات هو الطريق الأنجع لإعادة التوازن وترسيخ المصداقية.
