بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن ارتفاع أسعار أضاحي العيد هذه السنة مجرد تقلب موسمي عابر في سوق اعتاد التوتر كلما اقتربت المناسبة، بل بدا مؤشراً سياسياً واجتماعياً على عمق الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع القدرة الشرائية للمغاربة.
ففي كل أزمة تمس تكاليف العيش، يتكرر المشهد ذاته تقريباً: تطمينات حكومية، أرقام تُقدَّم باعتبارها دليلاً على التحكم، ووعود بضبط السوق، قبل أن يكشف الواقع الميداني حدود تلك التطمينات أمام مواطن يواجه كلفة تفوق إمكاناته.
عيد الأضحى هذه السنة جاء كاختبار واضح لمنظومة طالما تحدثت عن الوفرة، والنجاعة، وحسن التدبير.
غير أن السوق وضع هذه الشعارات أمام امتحان السعر النهائي، لا أمام بلاغات المؤسسات ولا تصريحات المسؤولين.
الحكومة أكدت أن العرض متوفر، وقدّم رئيسها عزيز أخنوش صورة مطمئنة عن وضع السوق، قبل أن يخرج وزير الفلاحة أحمد البواري بتصريح أثار نقاشاً واسعاً حين تحدث عن وجود أضاحٍ يمكن أن تبدأ أسعارها من 1000 درهم في بعض الأسواق.
غير أن هذا الرقم، الذي قُدّم في الخطاب الرسمي بوصفه مؤشراً على إمكانية الولوج إلى السوق، تحول لدى فئات واسعة من المواطنين إلى عنوان للتباعد بين التصريح والواقع، بعدما عاينوا أثماناً بعيدة عن تلك الصورة المطمئنة.
فالمواطن الذي سمع عن أضحية في حدود ألف درهم، وجد نفسه أمام سوق تتجه فيه الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير، بما جعل السؤال لا يتعلق فقط بتفاوت الأثمان، بل بمدى دقة القراءة الحكومية لواقع السوق.
وحسب معطيات أوردها موقع “نيشان”، فإن أسعار الأضاحي عرفت زيادات كبيرة تراوحت بين 1000 و3000 درهم للرأس الواحد مقارنة بسنوات سابقة، في وقت تحدثت فيه الحكومة عن إجراءات لضبط السوق، ودعم موجه للاستيراد والتسمين، ومحاولات لتخفيف الكلفة على المستهلك.
لكن السؤال الجوهري لا يرتبط فقط بوجود الدعم في المعطيات الرسمية، بل بأثره في الثمن النهائي. فإذا كانت الوفرة قائمة، وإذا كان الدعم قد رُصد من المال العام، وإذا كانت الأسعار تبدأ فعلاً من مستويات منخفضة كما قيل، فلماذا لم ينعكس ذلك بصورة واضحة على القدرة الشرائية للمواطن.
في عمق هذه المفارقة، تحضر فئات غالباً ما تغيب عن لغة الأرقام، وفي مقدمتها المتقاعدون وأصحاب الدخل المحدود، الذين يواجهون ارتفاع تكاليف العيش بمداخيل ثابتة أو شبه ثابتة لا تواكب التحولات العميقة في الأسعار.
المتقاعد الذي قضى سنوات طويلة في الإدارة أو التعليم أو الأمن أو الصحة أو غيرها من المرافق العمومية، يجد نفسه اليوم أمام معاش لا يتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها السوق، بما يجعل المناسبات الاجتماعية والدينية مناسبة لقياس هشاشة الدخل الثابت أمام موجات الغلاء.
وحين يستحضر بعض المتقاعدين سنة 1997 باعتبارها محطة رمزية في نقاش تجميد الأجور وضعف الزيادات، فإن الأمر لا يتعلق بتاريخ إداري بقدر ما يعكس إحساساً متراكماً بأن جزءاً من المجتمع تُرك يواجه أسعار اليوم بمداخيل تنتمي إلى زمن اقتصادي آخر.
هنا لا يعود غلاء الأضاحي مجرد رقم داخل سوق الماشية، بل يتحول إلى مرآة اجتماعية تعكس وضع فئات خدمت الدولة والمجتمع، ثم وجدت نفسها في مرحلة متقدمة من العمر أمام اختيارات صعبة بين متطلبات العيش، وكلفة الدواء، وأعباء السكن، وضغط المناسبات.
ومن هذه الزاوية، يعود اسم عزيز أخنوش إلى قلب النقاش، ليس فقط بصفته رئيساً للحكومة الحالية، بل باعتباره أيضاً اسماً ارتبط لسنوات طويلة بتدبير السياسة الفلاحية في المغرب.
فالقطاع الذي قُدّم باعتباره نموذجاً للتحديث والاستثمار والنجاعة، وجد نفسه أمام اختبار اجتماعي مباشر: هل نجحت هذه السياسة في ضمان أثر ملموس على أسعار مواد ومنتجات ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن.
الجواب الذي تعكسه الأسواق لا يحتاج إلى كثير من التأويل. الوفرة التي لا تساهم في ضبط الأسعار تبقى وفرة محدودة الأثر الاجتماعي، والدعم الذي لا يظهر في الثمن النهائي يتحول إلى رقم تقني داخل وثيقة رسمية.
أما المواطن، فهو لا يقيس نجاح السياسات بحجم الاعتمادات المعلنة، بل بمدى انعكاسها على كلفة العيش، وعلى قدرته الفعلية على الولوج إلى السوق دون إنهاك مالي.
وفي الجهة الأخرى من الصورة، يحضر فوزي لقجع بصفته الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أي المسؤول الموجود في صلب هندسة الاعتمادات والتوازنات المالية.
فعندما يتعلق الأمر بمال عمومي موجه إلى دعم قطاع حساس، لا يكفي الإعلان عن تخصيص الاعتمادات، بل يصبح السؤال مرتبطاً بكيفية صرفها، وبالجهات التي استفادت منها، وبالأثر الذي تركته على المستهلك النهائي.
فالميزانية ليست تمريناً محاسبياً ينتهي بإدراج الأرقام في الجداول، بل هي أداة سياسية واجتماعية يفترض أن تترجم المال العمومي إلى حماية ملموسة للفئات المتضررة من ارتفاع الأسعار.
وإذا كان الدعم قد خرج من المال العام، ثم ظل السعر مرتفعاً في السوق، فمن حق الرأي العام أن يسأل ما إذا كان هذا الدعم قد بلغ غايته الاجتماعية، أم أن أثره توقف عند حلقات وسيطة قبل أن يصل إلى المستهلك.
الأزمة الأخطر أن الوسطاء والمضاربين يتحولون، في كل مرة، إلى التفسير الجاهز والوحيد لارتفاع الأسعار.
صحيح أن المضاربة موجودة، وأن بعض الممارسات داخل السوق تحتاج إلى مراقبة صارمة، لكن اختزال الأزمة في الحلقة الأخيرة وحدها يعفي السياسات الكبرى من النقاش.
فلا يمكن لحلقات الوساطة وحدها أن تفسر أزمة بهذا الحجم، ما لم تكن منظومة التتبع والمراقبة والتدخل العمومي تعاني بدورها من ضعف في الفعالية والنجاعة.
ما وقع في أسواق الأضاحي لا يكشف فقط ارتفاع السعر، بل يكشف أيضاً تلك المسافة الغامضة بين قرار الدعم وسعر البيع النهائي.
في تلك المسافة يتراجع أثر المال العمومي، وتتآكل الثقة، ويتحول الدعم من أداة اجتماعية إلى سؤال سياسي حرج.
الأخطر من الغلاء ذاته أن جزءاً من المواطنين صار يشعر بأن الخطاب الرسمي يتحرك داخل منطق منفصل عن التجربة اليومية. ففي الخطاب توجد الوفرة، والدعم، والمراقبة، وضبط السوق، بينما في الواقع توجد أسر تعيد ترتيب أولوياتها تحت ضغط أسعار تفوق قدرتها.
الحكومة حاولت تقديم تدخلاتها باعتبارها جزءاً من إنقاذ العيد وضبط السوق، غير أن كثيرين رأوا فيها تدخلاً متأخراً جاء بعد أن فرضت الأسعار منطقها، وبعد أن تحول النقاش من تدبير استباقي إلى محاولة لاحتواء آثار الأزمة.
لهذا تبدو القضية أوسع من مناسبة دينية أو سوق موسمي. نحن أمام سؤال حول حصيلة سياسة فلاحية وعدت بالوفرة، وهندسة ميزانياتية تحدثت عن الدعم، وسوق انتهى إلى تحميل المواطن جزءاً كبيراً من الكلفة.
وبين أخنوش ولقجع، لا يتعلق الأمر بتوزيع الاتهامات، بل بطرح سؤال المسؤولية السياسية عن اختيارات لم تنجح، في هذه المحطة على الأقل، في تحويل الدعم إلى حماية فعلية للقدرة الشرائية.
عيد الأضحى هذه السنة لم يكشف فقط ارتفاع أسعار الأضاحي، بل كشف أيضاً هشاشة فئات واسعة أمام موجات الغلاء، وفي مقدمتها المتقاعدون وأصحاب الدخل الثابت، الذين تتحرك الأسعار من حولهم بسرعة أكبر من قدرة مداخيلهم على التكيف.
قد تقدم الحكومة تفسيرات متعددة: الجفاف، كلفة الأعلاف، النقل، الاستيراد، ضغط الطلب، وتقلبات السوق.
غير أن المواطن ينظر إلى النتيجة النهائية قبل التفاصيل التقنية: الدولة أعلنت الدعم، والحكومة تحدثت عن الوفرة، ووزير الفلاحة أشار إلى أضاحٍ تبدأ من 1000 درهم، بينما بقي الواقع في الأسواق أكثر تعقيداً من لغة التصريحات.
وبين دعم لا يظهر أثره بوضوح، ووفرة لا تنعكس على الأسعار بما يكفي، ومداخيل ثابتة لا تواكب الغلاء، يصبح السؤال المطروح ليس فقط من رفع ثمن الأضحية، بل كيف انتهت سياسات قيل إنها وُضعت للحماية إلى ترك المواطن والمتقاعد وذوي الدخل المحدود في مواجهة كلفة لا يملكون هامشاً واسعاً لتحملها.
