بقلم: الباز عبدالإله
ليس كل ما يتحرك في الاقتصاد يظهر في نشرات الأخبار بصوت عال.
أحياناً، أخطر ما يحدث لا يأتي في شكل صفقة معلنة، بل في لقاء هادئ داخل بنك سيادي، حيث تُرسم ملامح الطريق قبل أن تصل الجرافات إلى الأرض.
اليوم الاثنين 25 ماي 2026، نقلت Sina Finance عن بنك التصدير والاستيراد الصيني أن نائب رئيس البنك، وانغ شياو، التقى في بكين، يوم 21 ماي 2026، يوسف الرويسي، الرئيس التنفيذي المشارك لـ Attijariwafa bank، حيث تبادل الطرفان وجهات النظر حول تعميق التعاون في المشاريع الثنائية، وبحث فرص التعاون في تقديم خدمات مالية لقطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل في المغرب ودول إفريقية.
الخبر في ظاهره مالي هادئ، لقاء، تبادل آراء، تعاون محتمل، وعبارات بروتوكولية من النوع الذي يمر عادة بلا ضجيج.
لكن خلف هذه اللغة الباردة تتحرك مصالح اقتصادية ثقيلة، فالصين لا تطرق باب المغرب فقط من جهة المصانع والسيارات الكهربائية والموانئ، بل تقترب أيضاً من غرفة التمويل.
ومن هنا تبدأ العقدة الحقيقية: من يربح من هذا النوع من التقارب.
أول المستفيدين المحتملين هو الجانب الصيني نفسه، لأن بنك التصدير والاستيراد الصيني ليس فاعلاً مالياً عادياً، بل ذراع تمويلية تخدم تمدد بكين الاقتصادي في الخارج.
وحين يقترب هذا البنك من مؤسسة بنكية مغربية كبرى، فإن الأمر قد يفتح الطريق أمام الشركات الصينية كي تدخل مشاريع الطاقة والبنية التحتية والنقل وهي تحمل معها التمويل، والمعدات، والخبرة، وسلسلة مصالح كاملة.
المستفيد الثاني المحتمل هو Attijariwafa bank، فإذا تطور هذا التواصل إلى شراكات فعلية، فقد يجد البنك نفسه في موقع الوسيط المالي بين الصين والمغرب وإفريقيا.
وهذا ليس دوراً صغيراً، فمن يمسك بخيط التمويل، يمسك غالباً بخيط المعلومة، وخيط الزبناء الكبار، وخيط المشاريع التي لا تظهر للناس إلا بعد أن تكون قد نضجت في مكاتب الأبناك.
المستفيد الثالث هو المقاولات الكبرى والمشاريع الثقيلة، لأن الطاقة، والنقل، والبنية التحتية ليست قطاعات صغيرة يموّلها الادخار العائلي أو قروض الاستهلاك.
هذه أوراش تحتاج نفساً مالياً طويلاً، وضمانات، ومؤسسات قادرة على تحمل المخاطر، وهنا قد تبدو الصين جذابة بتمويلها، وشركاتها الجاهزة، وتجربتها الواسعة في بناء الطرق والموانئ والطاقة.
غير أن الاختبار الحقيقي لا يوجد في صورة اللقاء، بل في أثره داخل الاقتصاد المغربي.
هل ستستفيد المقاولات المغربية من هذه المشاريع.
هل سيتم نقل الخبرة فعلاً.
هل ستخلق فرص شغل محلية.
هل سيتحول التمويل إلى بنية تحتية نافعة للمواطن، أم إلى صفقات كبرى لا يرى منها إلا صور التدشين وفاتورة بعيدة المدى.
فالتمويل، في السياسة الاقتصادية، لا يأتي بريئاً تماماً.
الذي يمول، يفاوض.
والذي يضمن، يشترط.
والذي يربط البنك بالمشروع، قد يربط معه السوق والمقاولة وسلاسل التوريد.
لذلك لا يكفي أن نفرح بأي تقارب مالي مع الصين، لأن المهم ليس وجود التمويل فقط، بل شروطه، وأثره، ومن يستفيد منه في النهاية.
المواطن لا يستفيد من لقاء في بكين لمجرد أنه يحمل اسم المغرب.
المواطن يستفيد حين يتحول التمويل إلى قطار أفضل، وطريق أسرع، وطاقة أرخص، وميناء أنجع، ومناصب شغل لا تعيش فقط في البلاغات.
أما إذا بقي المال يدور بين الأبناك والمقاولات الكبرى، فإن الحديث عن تعميق التعاون سيبقى جميلاً في اللغة، ثقيلاً في المعنى، وخفيفاً في جيب المواطن.
اللافت أن المغرب يظهر مرة أخرى كمنصة إفريقية، فالصين لا تنظر إلى الرباط والدار البيضاء فقط كسوق داخلية، بل كبوابة نحو إفريقيا.
وهذا قد يكون فرصة إذا تفاوض المغرب من موقع قوة، وقد يتحول إلى مجرد ممر إذا غابت الرؤية، والشفافية، وحماية المصلحة الوطنية.
الفرق بين المنصة والممر كبير.
المنصة تفاوض، تربح، تشترط، وتبني قيمة مضافة.
أما الممر فيسمح للآخرين بالعبور، ثم يكتفي بعدّ الشاحنات وهي تمر.
لذلك، فلقاء بنك صيني سيادي مع بنك مغربي كبير ليس تفصيلاً عابراً.
هو إشارة إلى أن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول من يبني المشاريع، بل حول من يمولها، ومن يملك شروطها، ومن يحصد ثمارها.
بكين تطرق الباب بهدوء، والأبناك المغربية تسمع الطرق.
لكن ما لا يجب أن يضيع وسط المجاملات المالية هو طبيعة المشروع الذي سيدخل منه هذا التمويل: هل يخدم رؤية وطنية واضحة، أم يمنح الكبار مفتاحاً جديداً لغرفة المشاريع الكبرى.
في الاقتصاد، الصمت ليس دائماً هدوءاً.
أحياناً، الصمت هو المكان الذي تُكتب فيه أكبر الصفقات، قبل أن يعرف المواطن لماذا تغيرت الطريق، ومن بناها، ومن موّلها، ومن استفاد منها.
