بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد أزمة أضاحي العيد في حاجة إلى مزيد من التبرير التقني، ولا إلى جولة جديدة من الشروحات حول السوق والوسطاء والكلفة، فما يحتاجه المواطن اليوم ليس تفسيراً إضافياً لما حدث، بل جواباً سياسياً واضحاً حول من يتحمل مسؤولية الفجوة بين ما قيل له قبل العيد، وما وجده فعلاً في الأسواق.
حين تتحدث الحكومة عن الوفرة، ويخرج الخطاب الرسمي ليطمئن الناس بشأن العرض والأسعار، ثم يجد المواطن نفسه أمام كلفة لا تنسجم مع تلك التطمينات، فإن الأمر لا يبقى مجرد ارتباك في التواصل، بل يصبح خللاً في تقدير الوضع، وفي قراءة السوق، وفي تحويل القرار العمومي إلى أثر اجتماعي ملموس.
في الدول التي رسخت تقاليد ديمقراطية جدية، لا تمر مثل هذه الأزمات باعتبارها حوادث موسمية تُطوى بانتهاء المناسبة، بل يُفتح سؤال المسؤولية السياسية قبل أن تُفتح دفاتر التبرير، لأن الحكومة لا تُحاسب فقط على ما فعلت، بل أيضاً على ما وعدت به ولم يظهر أثره في حياة الناس.
الاستقالة في الديمقراطيات ليست دائماً اعترافاً بخطأ شخصي أو إدانة قانونية، بل قد تكون تعبيراً عن احترام المسؤولية السياسية حين تفشل السياسات في تحقيق نتائجها، فحين يُعلن الدعم ولا يصل أثره بوضوح، وحين تُعلن الوفرة ولا تنعكس على الأسعار، وحين يجد المواطن نفسه أمام نتيجة معاكسة لما سمعه من المسؤولين، يصبح سؤال الاستقالة مشروعاً لا شعبوية فيه.
المشكل هنا أن الحكومات في الديمقراطيات لا تختبئ خلف تعقيدات السوق إلى ما لا نهاية، صحيح أن السوق له منطقه، وأن الأسعار تتأثر بعوامل متعددة، لكن الحكومة حين تتدخل بخطاب الطمأنة والدعم والمراقبة، تصبح مسؤولة سياسياً عن الأثر، لا عن الإعلان فقط.
ولهذا، كان من الطبيعي أن يُطرح السؤال على رئيس الحكومة، وعلى وزير الفلاحة، وعلى الوزير المكلف بالميزانية، من قيّم وضع السوق قبل العيد، من صاغ خطاب الوفرة، من أشرف على آليات الدعم، من راقب أثر المال العمومي، ومن يتحمل مسؤولية عدم وصول النتيجة إلى المستهلك النهائي بالشكل الذي وُعد به.
المحاسبة السياسية لا تعني البحث عن مشهد درامي، ولا المطالبة برؤوس من أجل إرضاء الغضب العام، لكنها تعني أن يقف المسؤولون أمام البرلمان والرأي العام بأرقام دقيقة، لا بعبارات عامة، كم صُرف، لمن وُجه الدعم، ما هي حلقات الاستفادة، ما هو أثره الحقيقي على الثمن النهائي، ولماذا بقي المواطن يشعر بأن السياسات التي قيل إنها جاءت لحمايته لم تحمه بما يكفي.
أما أن تمر الأزمة بمجرد انتهاء العيد، فذلك يطرح سؤالاً أخطر من الغلاء نفسه، لأن المواطن حين يرى كل أزمة تتحول إلى نقاش مؤقت، ثم تُطوى بلا محاسبة سياسية، يفقد الثقة في معنى التصريحات الرسمية، وفي جدوى الدعم المعلن، وفي قدرة المؤسسات على تصحيح أخطائها.
هنا يصبح الحديث عن الاستقالة ليس انفعالاً، بل جزءاً من منطق ديمقراطي واضح، حكومة تعِد بالحماية ثم لا يلمس المواطن تلك الحماية، مطالبة على الأقل بأن تفتح باب المساءلة السياسية الجدية، وإذا كانت لا ترى نفسها مسؤولة عن الأثر، فعليها أن تشرح للرأي العام أين تنتهي مسؤوليتها، وأين يبدأ فشل السوق.
في الديمقراطيات، المسؤول الذي يخطئ في تقدير أزمة تمس معيش المواطن لا يكتفي بتقديم الشروحات، بل يواجه سؤال المسؤولية السياسية، لأن المناصب لا تُقاس بما يُعلن، بل بما يتحقق في حياة الناس.
ومن هنا، تبدو أزمة الأضاحي أكبر من مجرد موسم غلاء، إنها اختبار لقدرة الحكومة على الاعتراف، والمراجعة، وتحمل الكلفة السياسية، فإذا كانت الحكومة تعتبر الدعم إنجازاً، فعليها أن تقبل أيضاً بأن تُسأل عن ضعف أثره، وإذا كانت تعتبر الوفرة معطى رسمياً، فعليها أن تجيب عن سبب عدم انعكاسها على الأسعار بما يكفي.
المواطن لا يطلب من الحكومة أن تلغي السوق، لكنه يطلب منها أن لا تحوّل الوعود إلى لغة معلقة في الهواء، لا يكفي أن يقال إن الدعم وُجد، بل يجب أن يظهر، ولا يكفي أن يقال إن العرض متوفر، بل يجب أن يخفف الضغط على القدرة الشرائية، ولا يكفي أن تُلقى المسؤولية على الوسطاء، إذا كانت السياسات الكبرى لم تنتج الأثر الذي بُنيت عليه.
لذلك، فإن السؤال الثقيل اليوم ليس فقط لماذا ارتفعت الأسعار، بل لماذا لم تكن هناك كلفة سياسية لهذا الفشل، ولماذا لا يُطرح خيار الاستقالة أو التعديل أو المساءلة البرلمانية الصارمة عندما تفشل الحكومة في حماية المواطنين في لحظة اجتماعية حساسة.
قد لا تسقط حكومة بسبب عيد الأضحى وحده، لكن حكومة تفقد القدرة على إقناع الناس بأن دعمها وصل، وأن وفرتها حقيقية، وأن قراراتها تُترجم إلى أثر، تكون قد دخلت منطقة سياسية صعبة، منطقة لا يكفي فيها الشرح، بل تحتاج إلى محاسبة.
ليست الأزمة في ثمن الأضحية فقط، بل في ثمن غياب المحاسبة، حين يدفع المواطن كلفة السياسات، ولا يدفع المسؤول كلفة فشلها، تصبح الديمقراطية مجرد موسم انتخابي لا ثقافة يومية للمسؤولية، وحين لا تُطرح الاستقالة حتى كسؤال سياسي، بعد كل هذا التباعد بين الخطاب والواقع، يصبح الخلل أعمق من السوق وأقرب إلى طريقة الحكم نفسها.
