ليست تحويلات مغاربة العالم مجرد أموال تعبر الحدود نحو الحسابات البنكية والأسر، بل هي واحدة من أصدق صور الارتباط الصامت بين المغرب وأبنائه في الخارج.
فكل دولار يدخل البلاد من عرق الغربة يحمل وراءه ساعات عمل طويلة، وحنيناً مؤجلاً، ومسؤولية عائلية لا تسقط بالتقادم، وذاك الشعور العميق بأن الوطن لا يغادر أبناءه حتى حين يغادرونه.
غير أن الرقم الذي أوردته Ecofin Agency، اليوم الاثنين 25 ماي 2026، يفتح سؤالاً اقتصادياً أعمق من لغة التحويلات نفسها، نحو 13 مليار دولار يرسلها مغاربة العالم سنوياً إلى المغرب، لكن عُشرها فقط يجد طريقه إلى الاستثمار المنتج.
هنا تبدأ المفارقة الكبرى، المغرب ينجح في استقبال عرق الغربة، لكنه لم ينجح بعد بما يكفي في تحويله إلى مصانع، ومقاولات، ومشاريع جهوية، وفرص شغل، وقيمة مضافة.
التحويلات تنعش الأسر، وتدعم الاستهلاك، وتوفر العملة الصعبة، وتمنح التوازنات المالية هامشاً من التنفس، لكنها لا تصنع وحدها اقتصاداً منتجاً إذا بقيت حبيسة المساعدة العائلية والعقار والاستهلاك اليومي.
وليست المشكلة في الجالية، فمغاربة العالم أثبتوا ارتباطهم بالبلاد بالأرقام قبل الخطب، وبالحوالات قبل الشعارات، وبالوفاء اليومي قبل مواسم الاستقبال الصيفية.
المشكلة في منظومة لا تزال تتعامل مع الجالية أحياناً كخزان للعملة الصعبة أكثر مما تتعامل معها كشريك اقتصادي كامل، ننتظر أموالها، نفرح بأرقامها، نستند إليها في التقارير، ثم نترك السؤال الجوهري معلقاً حول سبب عدم تحول هذه الثقة العائلية إلى ثقة استثمارية.
وهنا تصبح مسؤولية الحكومة مباشرة، لأنها لا تستطيع أن تكتفي بالاحتفاء بأرقام التحويلات كل سنة، ثم تترك السؤال الأهم خارج الجواب، ماذا فعلت فعلاً لتحويل هذه الأموال إلى استثمار منتج، فحين يدخل إلى البلاد نحو 13 مليار دولار سنوياً، ولا يجد سوى عُشرها طريقه إلى الاستثمار، فإن الأمر لا يعكس فقط اختيارات فردية للجالية، بل يكشف محدودية رؤية حكومية لم تنجح بعد في تحويل الوفاء العائلي إلى قوة اقتصادية منظمة.
فالحكومة التي تستفيد من أثر التحويلات على العملة الصعبة والتوازنات المالية، مطالبة بأن تتحمل أيضاً مسؤولية ضعف مردودها الاستثماري، ولا يكفي أن تتحول الجالية إلى سند صامت للاقتصاد الوطني في التقارير، بينما تبقى خارج هندسة حقيقية تجعلها شريكاً في التنمية، لا مجرد مصدر دوري للعملة الصعبة.
كثير من مغاربة العالم لا يرفضون الاستثمار في المغرب، بل يخافون الطريق إليه، يخافون المساطر، والانتظار، وغموض الإدارة، ومخاطر الشراكة، وتعقيد التمويل، وضعف المواكبة، وغياب ضمانات واضحة تجعل المشروع أقل قلقاً من شراء شقة.
وحين يصبح العقار أكثر جاذبية من المقاولة، فذلك لا يعني أن المهاجر لا يفهم الاستثمار، بل يعني أن بيئة الاستثمار لم تمنحه بعد ما يكفي من الثقة.
المشكل، إذن، ليس في الجالية التي ترسل، بل في حكومة تنتظر التحويلات أكثر مما تصنع لها مسارات إنتاجية، تنتظر المال وهو يدخل، لكنها لم تبن بعد ما يكفي من الثقة والمؤسسات والضمانات كي يبقى هذا المال داخل الاقتصاد المنتج، لا داخل الاستهلاك والعقار فقط.
الجالية لا تحتاج إلى خطابات طويلة عن الوطنية، تحتاج إلى شباك واضح، وإدارة سريعة، وحماية قانونية، وأبناك تفهم منطق المهاجر، ومسارات جهوية تجعل ابن الخارج يعرف أين يضع ماله، وكيف، ومع من، وبأي ضمانات.
فما معنى أن تدخل إلى المغرب 13 مليار دولار سنوياً، ثم يبقى الاستثمار المنتج منها محدوداً بهذا الشكل، وما معنى أن تمتلك البلاد واحدة من أقوى طاقاتها الاقتصادية في الخارج، ثم لا تحولها إلى رافعة تنموية منظمة.
الجواب لا يوجد في عاطفة الجالية، بل في عجز السياسات العمومية عن بناء جسر حقيقي بين التحويل والاستثمار، وبين الحنين والمشروع، وبين المال القادم من الخارج وفرص الشغل داخل البلاد.
كل جهة في المغرب يمكن أن تبني خريطة استثمار خاصة بمغاربة العالم المنحدرين منها، جهة للسياحة الجبلية، وأخرى للفلاحة العصرية، وثالثة للصناعات المحلية، ورابعة للتكنولوجيا والخدمات والصحة والتعليم.
لكن ذلك يحتاج إلى حكومة تقترح ولا تنتظر فقط، وإلى أبناك تواكب ولا تكتفي بفتح الحسابات، وإلى إدارة تحمي المستثمر الصغير بدل أن تختبر صبره عند كل باب.
الجالية ليست مورداً عاطفياً للعملة الصعبة، وليست موسماً صيفياً، وليست رقماً نزين به تقارير التوازنات المالية، إنها قوة اقتصادية مؤجلة، وكل تأجيل في تحويلها إلى استثمار هو تأجيل لجزء من مستقبل البلاد.
13 مليار دولار ليست تفصيلاً، إنها رسالة واضحة من الخارج تقول إن المغرب يملك رأسمالاً بشرياً ومالياً هائلاً موزعاً عبر العالم.
لكن الرسالة الأقسى أن هذا الرأسمال لا يجد دائماً الطريق الآمن كي يتحول من حوالة عائلية إلى مشروع وطني.
حين يتحول عرق الغربة إلى استثمار، تربح الأسرة والاقتصاد والجهة والبلد.
وحين يبقى مجرد حوالة شهرية، تربح التوازنات المالية هامشاً من التنفس، لكن التنمية تخسر فرصة ثمينة لصناعة الثروة من الوفاء.
