حين يعلن البنك الإفريقي للتنمية أن المغرب تصدّر مؤشر التصنيع الإفريقي الجديد، فإن الأمر لا يمكن التعامل معه كرقم عابر في تقرير اقتصادي، بل كإشارة قوية إلى موقع صناعي يتعزز داخل القارة، وإلى صورة بلد يريد أن يثبت أنه لم يعد مجرد سوق استهلاكية، بل منصة إنتاج وتصدير وربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم.
فالبلاغ الصادر اليوم الاثنين 25 ماي 2026 عن البنك الإفريقي للتنمية، وضع المغرب في مرتبة متقدمة داخل مؤشر يقيس دينامية التصنيع في إفريقيا، مع إشارة لافتة إلى تجاوزه جنوب إفريقيا، التي ظلت لسنوات طويلة مرجعاً صناعياً وازناً داخل القارة.
هذا المعطى يمنح المغرب رصيداً اقتصادياً وسياسياً مهماً، لأنه يؤكد أن التحولات الصناعية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة لم تعد مجرد سردية رسمية داخلية، بل أصبحت موضوع اعتراف من مؤسسة قارية ذات وزن في قراءة المسارات الاقتصادية الإفريقية.
غير أن قوة المؤشر لا تعفي من طرح السؤال الأهم، إلى أي حد يتحول هذا التقدم الصناعي إلى أثر ملموس في حياة المواطن، وفي سوق الشغل، وفي النسيج المقاولاتي الوطني، وفي الجهات التي ما زالت تبحث عن نصيبها من دينامية الاستثمار.
الصناعة ليست واجهة للتصنيف فقط، بل امتحان حقيقي لقدرة السياسات العمومية على تحويل الاستثمار إلى شغل، والتصدير إلى قيمة مضافة، والمصنع إلى رافعة اجتماعية ومجالية.
لقد نجح المغرب في بناء صورة صناعية أكثر رسوخاً، خصوصاً في قطاعات السيارات والطيران والفوسفاط والصناعات المرتبطة بالتصدير، كما استطاع أن يقدم نفسه منصة قريبة من أوروبا، ومفتوحة على إفريقيا، ومؤهلة لاحتضان سلاسل إنتاج دولية.
لكن الرهان لم يعد اليوم هو إثبات وجود المصنع فقط، بل إثبات أن المصنع قادر على خلق طبقة عاملة مستقرة، ومقاولات مغربية قوية، وكفاءات محلية مؤهلة، وجهات لا تبقى خارج الخريطة الصناعية الجديدة.
هنا بالضبط يبدأ الامتحان الحقيقي للحكومة.
فالاختبار اليوم لم يعد في قدرة الحكومة على عرض المؤشر كإنجاز، بل في قدرتها على تحويله إلى أثر اجتماعي قابل للقياس، لأن المواطن لا يعيش داخل التصنيفات، ولا يشتغل داخل البلاغات، ولا تقاس كرامته بعدد المراتب التي يتقدمها المغرب في التقارير، بل بما يخلقه التصنيع من عمل مستقر، وأجر محترم، وتكوين حقيقي، وفرصة عادلة داخل الجهة التي يعيش فيها.
أما إذا بقي التصنيع عنواناً للتصدير والاستثمار الأجنبي فقط، دون أن ينتج نسيجاً وطنياً قوياً، ومقاولات مغربية قادرة على الصعود، وطبقة عاملة تستفيد من القيمة المضافة، فإننا سنكون أمام مفارقة مألوفة، بلد يتقدم في المؤشرات، ومواطن ينتظر أثر ذلك التقدم في حياته اليومية.
التصنيع، إذا بقي محصوراً في مناطق محدودة، أو مرتبطاً أساساً بمنصات كبرى لا تمتد آثارها بما يكفي نحو المقاولات الصغرى والمتوسطة، فإنه يظل إنجازاً ناقصاً، مهما بدا مضيئاً في المؤشرات الدولية.
لا يكفي أن يتقدم المغرب في التصنيف، بل ينبغي أن يتقدم معه سؤال العدالة الصناعية، أي عدالة في توزيع فرص الشغل بين الجهات، وأي موقع للمقاولات الوطنية داخل سلاسل القيمة، وأي نصيب للتكوين المهني من حاجيات المصنع، وأي أثر لهذا التصنيع على القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي ومسارات الشباب الباحثين عن عمل كريم.
إن المؤشرات الدولية تمنح صورة مفيدة، لكنها لا تصنع وحدها اقتصاداً منصفاً، فالصناعة القوية لا تقاس فقط بحجم الصادرات أو بعدد المصانع أو بجاذبية المنصات الصناعية، بل تقاس أيضاً بما تتركه داخل المجتمع من مهارات، وأجور، ومقاولات محلية، وثقة جماعية في المستقبل.
ولذلك، فإن تصدر المغرب لمؤشر التصنيع الإفريقي يجب أن يكون بداية نقاش جدي، لا مناسبة عابرة للاحتفاء، فكل اعتراف دولي يرفع سقف التوقعات، وكل تقدم في المؤشر يضاعف مسؤولية الحكومة في تحويل هذا التقدم إلى سياسات أكثر فعالية، وأكثر إنصافاً، وأكثر قرباً من المواطن.
المطلوب اليوم ليس التقليل من قيمة الإنجاز، بل تحريره من لغة الاحتفال السريع، فالمغرب الصناعي الذي تعترف به المؤسسات الإفريقية يحتاج إلى تعميق داخلي، مدرسة أكثر ارتباطاً بسوق الشغل، وتكوين مهني أكثر جودة، ومقاولة وطنية أكثر قدرة على الاندماج، وجهات أكثر استفادة من الاستثمار، ومواطن يشعر بأن التصنيع ليس عنواناً بعيداً عنه.
الصدارة الصناعية، بهذا المعنى، ليست نهاية الطريق، إنها بداية مرحلة أصعب، لأن من يتصدر المؤشر يصبح مطالباً بأن يثبت أن تصدره لا يقف عند حدود الترتيب، بل يصل إلى بنية الاقتصاد، وإلى فرص الشغل، وإلى جودة الحياة، وإلى عدالة توزيع الثروة.
المغرب ربح موقعاً مهماً في صورة التصنيع الإفريقي، لكن الرهان الحقيقي هو أن لا تبقى هذه الصورة معلقة في تقارير المؤسسات الدولية، بل أن تتحول إلى واقع اقتصادي واجتماعي يلمسه المواطن في العمل، والدخل، والكرامة، والفرصة.
فالمؤشر يمنح الاعتراف، أما السياسة العمومية، فهي وحدها التي تستطيع أن تمنح هذا الاعتراف معنى داخل حياة الناس.
