بقلم: الباز عبدالإله
ليست السياحة في الصحراء المغربية مجرد رحلات جوية إضافية، ولا فنادق تفتح أبوابها، ولا صور بحرية تعبر منصات السفر، بل هي في عمقها جزء من تحول أوسع جعل الأقاليم الجنوبية فضاءً للتنمية والاندماج والاستثمار، لا مجرد عنوان عالق في ذاكرة النزاع.
وحين يختار منبر إسباني أن يقرأ هذا الانتعاش السياحي بعين سياسية متوجسة، فذلك يعني أن التحول الذي تقوده المملكة في صحرائها لم يعد يتحرك في لغة الدبلوماسية وحدها، بل صار يتجسد في الطائرات التي تربط، والطرق التي تمتد، والفنادق التي تستقبل، والمشاريع التي تمنح المجال الصحراوي صورة جديدة أمام العالم.
نشر موقع HuffPost España، اليوم الاثنين 25 ماي 2026، مادة تناولت الترويج السياحي المغربي في الصحراء المغربية، مشيراً إلى ارتفاع عدد الزوار بأكثر من 50 في المائة بين سنتي 2019 و2025، وفق معطيات منسوبة إلى وزارة السياحة المغربية، وإلى ارتباط هذا الانتعاش بتحسن الربط الجوي عبر شركات من بينها الخطوط الملكية المغربية وRyanair وTransavia France وBinter.
في ظاهره، يبدو الأمر خبراً سياحياً عن وجهات جديدة، ورحلات جوية إضافية، وفنادق، ورياضات بحرية، ومجال صحراوي يرسخ حضوره تدريجياً ضمن خريطة الجذب الدولي.
غير أن القراءة الأعمق تكشف أن الموضوع يتجاوز السياحة بمعناها القطاعي، لأن ما يتحرك في الداخلة والعيون وباقي الأقاليم الجنوبية ليس نشاطاً اقتصادياً معزولاً، بل مسار تنموي متكامل يجعل الاستثمار امتداداً للسيادة، ويحول الحضور الوطني إلى أثر ملموس في المجال والإنسان.
هنا تتجلى قوة الاختيار المغربي.
فالمملكة لا تدافع عن صحرائها بالخطاب وحده، ولا تكتفي بالحضور الدبلوماسي داخل المحافل الدولية، بل تبني واقعاً متدرجاً فوق الأرض، عبر بنية تحتية، وربط جوي، ومشاريع سياحية، وموانئ، وطرق، واستثمارات تجعل الأقاليم الجنوبية تتحرك في الاقتصاد قبل أن تتحرك في العناوين.
وهذا المسار ليس سياسة ظرفية، بل امتداد لرؤية ملكية بعيدة المدى وضعت الصحراء المغربية داخل مشروع وطني يقوم على التنمية والاندماج وفتح المجال أمام المستقبل.
ولهذا يبدو الاستثمار مربكاً لمن اعتادوا النظر إلى الصحراء المغربية من زاوية واحدة.
فالطائرات التي تربط الداخلة والعيون بوجهات أخرى لا تنقل المسافرين فقط، بل تحمل رسالة صامتة مفادها أن هذه المنطقة ليست فراغاً معلقاً في انتظار التأويل، بل مجال يتحرك، يستقبل، ينتج، ويتصل بالعالم بثقة متزايدة.
والفندق الذي يفتح أبوابه ليس مجرد مشروع سياحي، بل علامة على انتقال المجال من صورة النزاع إلى صورة الحياة.
والرحلة الجوية التي تجعل الوصول إلى الداخلة أو العيون أكثر سهولة ليست مجرد خط تجاري، بل خيط جديد في شبكة اندماج اقتصادي أوسع، يربط الإنسان بالمجال، والمجال بالمستقبل.
من هنا يمكن فهم التوجس الذي يرافق بعض القراءات الإسبانية كلما برزت الصحراء المغربية كوجهة سياحية أو مجال استثماري صاعد.
فالأمر لا يتعلق فقط بسائح جاء لاكتشاف البحر والريح والرمال، بل بصورة جديدة تتشكل أمام العالم: صحراء مغربية تتحرك، ومدن جنوبية تتصل، ومجال لم يعد قابلاً للاختزال في لغة النزاع وحدها.
المادة الإسبانية لم تخف زاويتها السياسية، إذ ربطت الترويج السياحي بمواقف مناوئة للمغرب وبنقاشات متصلة بالقانون الدولي، كما نقلت مواقف تنتقد الشركات التي تسوق الوجهة ضمن المجال المغربي.
غير أن القراءة المغربية لهذا النوع من المواد لا ينبغي أن تستسلم للانفعال، بل أن تتجه إلى تفكيك السؤال الأعمق: لماذا يتحول فندق في الداخلة إلى موضوع سياسي؟ ولماذا تصبح رحلة جوية إلى العيون موضع سجال؟ ولماذا تثير التنمية، حين تتحرك فوق الأرض، كل هذا التوجس؟.
الجواب يكمن في طبيعة التحول نفسه.
فحين تتحول السيادة إلى مشاريع ملموسة، تضيق المساحة أمام السرديات التي تستمد قوتها من صورة الجمود.
وحين تصبح الصحراء المغربية وجهة سفر، ومجال استثمار، ومنطقة ربط جوي، يصبح من الصعب حبسها داخل قاموس النزاع وحده.
إن قوة هذا المسار تكمن في أنه لا يرد على السرديات المناوئة بلغتها، بل يغير موضوع النقاش من أساسه.
بدل الاكتفاء بسؤال النزاع، يطرح سؤال التنمية.
وبدل الوقوف عند حدود الخريطة، يذهب إلى الإنسان، والفرصة، والطريق، والميناء، والفندق، والرحلة الجوية، والمقاولة، والمدينة التي تكبر في موقعها الطبيعي داخل الوطن.
هنا يصبح الاستثمار أكثر من رقم اقتصادي.
ويصبح الربط الجوي أكثر من خدمة نقل.
وتصبح السياحة أكثر من قطاع موسمي.
كل ذلك يتحول إلى جزء من هندسة تنموية أوسع، تنقل الصحراء المغربية من موقع الدفاع إلى موقع الفعل، ومن انتظار الاعتراف إلى صناعة الوقائع الهادئة التي تفرض نفسها بقوة الاستمرار.
وليس معنى ذلك أن المعركة أصبحت سهلة، أو أن القراءات المناوئة ستتوقف.
بل إن تقدم المشاريع المغربية في الأقاليم الجنوبية سيزيد من محاولات تحويل كل نجاح اقتصادي إلى مادة سجالية، وكل مكسب تنموي إلى موضوع تشكيك.
السياحة ستُقرأ سياسياً، والاستثمار سيُقرأ سياسياً، والطريق والميناء والفندق والرحلة الجوية ستدخل كلها معركة العناوين.
لكن ذلك، في ذاته، دليل على أن التحول بلغ منطقة التأثير.
فالمغرب لا يواجه فقط خصومة سياسية، بل يواجه أيضاً آلة سردية تحاول أن تجعل التنمية نفسها موضع شبهة، وأن تنقل أي تحول اقتصادي في الأقاليم الجنوبية من خانة الإنجاز إلى خانة التشكيك.
ومن هنا، لا يكون الرد الأقوى في ارتفاع النبرة، بل في اتساع الأثر.
مشاريع حقيقية، وفرص شغل محلية، واحترام للمعايير، وإشراك للسكان، وتنمية تجعل الأقاليم الجنوبية نموذجاً قائماً بذاته، لا مجرد واجهة موجهة إلى الخارج.
فالاستثمار، لكي يتحول إلى حجة قوية، يجب أن يظهر أثره على الناس.
والسياحة لا تكفي إذا بقيت صوراً جميلة في النشرات والمنصات.
والربط الجوي لا يكفي إذا لم يفتح فرصاً اقتصادية واجتماعية.
والفنادق لا تكفي إذا لم تخلق قيمة محلية، وتمنح أبناء المنطقة مكانهم الطبيعي داخل دينامية النمو.
حين يشعر المواطن في الأقاليم الجنوبية بأن التنمية تمسه فعلاً، تصبح السردية المغربية أقوى من أي قراءة متوجسة صادرة من مدريد أو غيرها.
وحين تتحول المشاريع إلى فرص، وتكوين، واستثمار، وربط، وحياة يومية أكثر انفتاحاً، يصبح الدفاع عن الصحراء المغربية دفاعاً بالواقع لا بالشعار فقط.
لذلك، فإن التوجس الإسباني من انتعاش السياحة في الصحراء المغربية ليس تفصيلاً إعلامياً عابراً.
إنه إشارة إلى أن الاستثمار دخل قلب المعركة.
وما كان يناقش طويلاً بلغة الدبلوماسية والقرارات، صار يناقش اليوم بلغة السوق والسفر والاقتصاد والوجهات الجوية.
الصحراء المغربية لم تعد فقط عنواناً سيادياً في الخطاب المغربي.
إنها تتحول تدريجياً إلى فضاء اقتصادي وسياحي مفتوح على العالم، في انسجام مع توجه ملكي جعل التنمية امتداداً طبيعياً للسيادة، وجعل حضور الدولة في الأقاليم الجنوبية حضوراً بالمشاريع والمؤسسات والربط والفرص.
ليست القصة إذن أن منبراً إسبانياً انتقد الترويج السياحي في الصحراء المغربية، بل أن انتعاش السياحة نفسه صار يوقظ قلقاً لدى من اعتادوا قراءة المنطقة من نافذة النزاع وحدها.
فحين يصبح وصول السائح إلى الداخلة موضوعاً سياسياً، فهذا يعني أن المغرب لم يعد يخوض معركة الصحراء بالخرائط والبيانات فقط، بل بالاستثمار وهو يصنع المعنى، وبالربط الجوي وهو يفتح المجال، وبالتنمية وهي تمنح السيادة صورتها الأكثر إقناعاً.
وحين تدخل الطائرات والفنادق والوجهات السياحية قلب السجال، فذلك يعني أن المعركة لم تعد فقط حول ما يقال عن الصحراء المغربية، بل حول ما يحدث فيها فعلاً.
وهنا تكمن قوة التحول.
فالأرض حين تتحرك بالمشاريع، تصبح أبلغ من أي خطاب.
والتنمية حين تلامس الواقع، تصبح أكثر إقناعاً من ألف عنوان.
