لم يكن تصريح كريم التازي مجرد ملاحظة عابرة في نقاش اقتصادي حول حصيلة النموذج التنموي الجديد، بل كان أقرب إلى مرآة وُضعت أمام واحد من أكثر الأسئلة حساسية في المغرب: هل يمكن بناء تنمية حقيقية دون محاسبة فعلية، وهل تكفي المخططات الكبرى والوثائق المرجعية والوعود المؤسساتية حين تبقى محاربة الفساد محاصرة بين الخطاب والميزانية وحدود الإرادة السياسية.
حسب ما نقله موقع Médias24، جاء تقييم كريم التازي، بعد خمس سنوات من إطلاق النقاش حول النموذج التنموي الجديد، حاداً في بعض زواياه، خصوصاً حين توقف عند وضعية الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، معتبراً أن رئيسها ظل لسنوات يحاول تحريك العجلة دون نتائج ملموسة، قبل أن تعرف ميزانية المؤسسة تقليصاً بعد خرجات أكثر صرامة في مواجهة الفساد.
هذا الكلام لا يهم الهيئة وحدها، ولا يتعلق فقط برقم مالي داخل قانون المالية، بل يفتح النقاش حول معنى أن تُحدث الدولة مؤسسة لمحاربة الرشوة، ثم تجد هذه المؤسسة نفسها أمام هامش محدود، وسقف سياسي منخفض، ورسائل مالية لا تساعد على توسيع الفعل الرقابي بقدر ما توحي بأن معركة النزاهة ما زالت تُدار بكثير من الحذر وكثير من الحسابات.
الأرقام المتداولة حول ميزانية الهيئة تزيد الصورة وضوحاً، إذ انتقلت الاعتمادات من حوالي 269 مليون درهم سنة 2024 إلى حوالي 210 ملايين درهم سنة 2025، أي بتراجع يقارب 60 مليون درهم، وهو ما قدمته الحكومة في حينه باعتباره مرتبطاً بتراجع بعض النفقات غير المتكررة، بينما قرأته أصوات أخرى باعتباره رسالة سياسية غير مريحة في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى تقوية مؤسسات النزاهة لا إلى تقليص هوامشها.
قوة تصريح التازي لا تأتي فقط من انتقاده للتقليص المالي، بل من الخلاصة التي ذهب إليها، حين تحدث، وفق تعبيره، عن “رفض ممنهج ومعلن” لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي عبارة ثقيلة لأنها لا تنتقد تعثراً تقنياً ولا خللاً إدارياً معزولاً، بل تضع اليد على قلب الإشكال، حيث تتحول المحاسبة من قاعدة دستورية وسياسية إلى شعار حاضر في الخطب وغائب عند الامتحان.
النموذج التنموي الجديد قام، في روحه العامة، على فكرة واضحة: لا تنمية بلا ثقة، ولا ثقة بلا مؤسسات فعالة، ولا مؤسسات فعالة بلا مسؤولية ومحاسبة، لكن المسار العملي يكشف أن المسافة ما زالت واسعة بين الهندسة الجميلة للنموذج وبين القدرة الفعلية على كسر دوائر الريع، وتفكيك شبكات المصالح، وفرض الكلفة السياسية والإدارية على من يسيء تدبير المال العام أو يستفيد من غموض القرار العمومي.
ليس مطلوباً من أي هيئة أن تتحول إلى محكمة سياسية، ولا من خطاب النزاهة أن يصبح أداة لتصفية الحسابات، لكن المطلوب أن يشعر المواطن بأن هناك أثراً ملموساً، وأن الفساد ليس قدراً إدارياً، وأن المؤسسات المكلفة بمحاربته لا تُترك وحدها في مواجهة جدار صامت، ثم تُحاسب لاحقاً على ضعف النتائج وكأنها كانت تملك كل الأدوات.
المفارقة أن المغرب لا يعاني من نقص في الوثائق ولا في الاستراتيجيات ولا في المؤسسات ذات الأسماء القوية، بل يعاني من لحظة التنفيذ، من تلك المنطقة الرمادية التي تنتقل فيها المبادئ من الورق إلى القرار، ومن القرار إلى الميزانية، ومن الميزانية إلى السلطة الفعلية، ومن السلطة الفعلية إلى نتائج يشعر بها المواطن والمستثمر والموظف والمقاول الصغير.
حين تصبح محاربة الفساد مجرد عنوان داخل النموذج التنموي، فإن الخطر لا يكون فقط في استمرار الرشوة أو تضارب المصالح، بل في تآكل الثقة في كل مشروع إصلاحي جديد، لأن المواطن الذي يسمع كثيراً عن الحكامة ثم يرى قليلاً من المحاسبة، لا يفقد الثقة في مؤسسة بعينها فقط، بل يفقدها في قدرة الإصلاح على أن يكون أكثر من وعد مؤجل.
تصريح كريم التازي جاء ليعيد النقاش إلى مربعه الأصلي، فالمغرب لا يحتاج فقط إلى نموذج تنموي جديد، بل يحتاج إلى شجاعة سياسية تجعل ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة يومية لا عبارة موسمية، وتمنح مؤسسات النزاهة ما يكفي من الوسائل والاستقلالية والغطاء العمومي حتى لا تبدو كواجهة جميلة أمام بناية لم تُفتح أبوابها بعد.
وفي انتظار أن يتحول خطاب الإصلاح إلى كلفة سياسية وإدارية ملموسة، ستبقى معركة النموذج التنموي معلقة بين طموح كبير وواقع مقاوم، وبين بلد يعلن رغبته في القفز إلى الأمام، ومنظومة ما زالت تتردد كلما اقترب سؤال المحاسبة من دوائر القرار والامتياز والمسؤولية.
