وفرة معلنة وغلاء ملموس… فمن يشرح للمواطن ما يحدث؟
لم تعد أسعار أضاحي العيد مجرد قضية موسمية عابرة، ولا نقاشاً تقنياً حول العرض والطلب، بل تحولت إلى مرآة سياسية واجتماعية تكشف حجم المسافة بين خطاب الوفرة وواقع السوق، وبين الدعم العمومي المعلن والثمن الذي يصدم المواطن عند باب الحظيرة.
الحكومة قالت إن الهدف هو حماية القدرة الشرائية، وتنظيم الأسواق، وتفادي الرفع غير المبرر في الأسعار، وأصدرت قراراً مؤقتاً لتنظيم عمليات تسويق وبيع أضاحي العيد، بعد استشارة مجلس المنافسة، مع الحديث عن منع المضاربة والاحتكار والتلاعب بالأسعار، وإلزام البائعين بالتصريح بهويتهم وعدد الأضاحي ومصدرها.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم لا يتعلق فقط بصدور القرار، بل بأثره الفعلي داخل السوق. هل نزل التنظيم إلى الأسعار، أم بقي القرار حاضراً في النصوص وغائباً عن جيب الأسر.
فإذا كانت الحكومة تتحدث عن وفرة في القطيع، وإذا كان رئيسها قد تحدث، وفق معطيات منشورة، عن قطيع يتراوح بين 33 و40 مليون رأس من الأغنام والماعز، وعن دعم ناهز 13 مليار درهم لحماية القطيع الوطني، فإن بقاء الأسعار فوق قدرة شريحة واسعة من الأسر يفتح باباً واسعاً للمساءلة السياسية.
ما معنى أن تكون الوفرة حاضرة في الأرقام، وغائبة في القدرة الشرائية للمواطن.
وما معنى أن يخرج المال العام باسم دعم القطاع، ثم لا يشعر المستهلك النهائي بأن ذلك الدعم خفف عنه شيئاً.
هنا لا يكفي أن يقال إن السوق معقدة، وإن كلفة التربية والنقل والعلف والوسطاء تضغط على الأسعار. هذه عناصر مفهومة، لكنها لا تبرر وحدها أن يتحول الدعم العمومي إلى رقم كبير في التصريحات، ثم يبقى أثره صغيراً أو غائباً أمام الأسر.
المغاربة لا يشترون الأرقام الرسمية، بل يشترون الأضحية بثمنها الحقيقي.
ولهذا يصبح السؤال أكثر حساسية: من استفاد فعلياً من الدعم.
هل وصل الدعم إلى الكسابة الصغار الذين كانوا في حاجة إليه فعلاً.
هل استفاد منه كبار الفاعلين دون أن ينعكس ذلك على السعر النهائي.
هل جرى تتبع مسار الدعم من الخزينة إلى القطيع، ومن القطيع إلى السوق، ومن السوق إلى جيب المواطن.
هنا يظهر ملف “الفراقشية الكبار”، لا كعبارة انفعالية أو اتهام مباشر، بل كسؤال سياسي واقتصادي مشروع. فالفراقشي الحقيقي لا يوجد فقط في أطراف السوق وهو يعيد بيع الخروف بهامش إضافي، بل قد يوجد في كل حلقة استفادت من دعم أو إعفاء أو امتياز أو موقع داخل السلسلة، ثم لم تعكس ذلك على الثمن النهائي.
الحكومة تتحمل المسؤولية الأولى لأنها صاحبة القرار السياسي. هي التي تحدثت عن الوفرة، وهي التي دافعت عن الدعم، وهي التي أحالت الملف على مجلس المنافسة، وهي التي اختارت في النهاية طريق التنظيم بدل تسقيف السعر بشكل مباشر ومؤقت.
أما مجلس المنافسة، فقد فتح الباب القانوني أمام التدخل الحكومي عبر رأيه عدد ر/26/3، الصادر يوم 22 ماي 2026، بشأن التدابير المؤقتة لتنظيم الأسواق المخصصة لبيع أضاحي العيد.
غير أن الرأي القانوني، مهما كان سليماً من حيث الشكل، لا يكفي حين تكون الأزمة اجتماعية في عمقها.
المواطن لا يميز بين رأي استشاري وقرار حكومي وسلطة تنفيذية. هو يرى النتيجة فقط: السعر بقي مرتفعاً.
وهنا يصبح مجلس المنافسة أمام سؤال دوره الحقيقي. هل مهمته أن يكتفي بمنح الضوء الأخضر للتنظيم، أم أن يذهب أبعد في تفكيك بنية السوق، ورصد حلقات التحكم، وطرح سؤال المستفيدين من الدعم والمضاربة والهوامش غير المفهومة.
المنافسة لا تكون حرة حين يدخل المواطن السوق وهو الطرف الأضعف.
والمنافسة لا تكون نزيهة حين يتحول الدعم إلى امتياز عند البعض، ولا يتحول إلى انخفاض في السعر عند الجميع.
ثم يأتي سؤال وزارة الداخلية والسلطات الترابية.
فالقرار الحكومي لم يتحدث عن رقابة رمزية، بل عن تدابير واضحة: حصر البيع في الأسواق المرخصة، منع شراء الأضاحي داخل السوق بغرض إعادة بيعها، حظر المزايدات المفتعلة والاتفاقات الصريحة أو الضمنية التي قد تؤدي إلى رفع الأسعار، ومنع التخزين خارج المسالك التجارية بهدف خلق ندرة مصطنعة.
كما أن القرار خوّل لعمال العمالات والأقاليم، أو من ينوب عنهم، صلاحية اتخاذ تدابير في حالة رصد المخالفات، بما في ذلك الإغلاق المؤقت لنقاط البيع وحجز الأضاحي والمعدات المستعملة في المخالفة.
إذا كانت هذه الصلاحيات موجودة، فلماذا لم يظهر أثرها بقوة في الأسواق.
أين نتائج المراقبة.
أين لوائح المخالفات.
أين من ثبت أنهم خزنوا أو ضاربوا أو أعادوا البيع خارج منطق السوق.
وأين الأثر الميداني الذي يجعل المواطن يقول إن الدولة حضرت فعلاً، لا في البلاغ فقط.
لكن الحلقة التي لا يجب أن تختفي وسط هذا النقاش هي وزارة الاقتصاد والمالية.
فالوزارة التي تمسك بدفتر الميزانية هي المؤشر الحقيقي على الدعم.
عند وزارة المالية توجد الأرقام التي لا تجامل: كم صُرف، ولمن صُرف، وبأي معيار، وكم استفاد الكبار، وكم وصل للصغار، وهل كان الدعم مباشراً أم عبر إعفاءات أو آليات أخرى، وما هو أثره المحسوب على السعر النهائي.
حين يتعلق الأمر بملايير الدراهم، لا يكفي أن تقول الحكومة إنها دعمت القطاع.
المطلوب أن تقول للمغاربة أين ذهب الدعم.
من أخذ.
كم أخذ.
ماذا باع.
وبأي ثمن وصل الخروف إلى المواطن.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا الملف هو أن يتحول المال العام إلى جسر يمر فوق المواطن، لا إليه. تدفع الدولة من الميزانية، وتتحرك حلقات السوق بهوامشها، ثم يجد المواطن نفسه أمام ثمن كأن الدعم لم يوجد أصلاً.
هذه هي المفارقة التي تجرح الثقة.
وفرة معلنة.
دعم بملايير الدراهم.
رأي من مجلس المنافسة.
قرار حكومي مؤقت.
سلطات محلية مكلفة بالتنفيذ.
ومع ذلك، أسر مغربية كثيرة ما تزال تشعر أن الأضحية صارت عبئاً ثقيلاً، لا مناسبة عادية.
المشكل لم يعد في الخروف وحده.
المشكل في سلسلة كاملة تبدأ من القرار العمومي، وتمر عبر الدعم، وتدخل السوق، ثم تنتهي عند المواطن بثمن لا يرحم.
لهذا، فالسؤال لم يعد لماذا ارتفعت الأضاحي فقط.
السؤال الأعمق هو: من منع أثر الدعم والوفرة والتنظيم من الوصول إلى جيب المواطن.
الحكومة مطالبة بتفسير سياسي.
مجلس المنافسة مطالب بتفكيك اقتصادي.
الداخلية مطالبة بإثبات ميداني.
ووزارة المالية مطالبة بكشف دفتر الدعم.
أما المواطن، فلم يعد ينتظر بلاغاً جديداً، بل ينتظر جواباً بسيطاً: إذا كان القطيع وفيراً، والدعم كبيراً، والرقابة قائمة، فلماذا بقي السعر أقوى من قدرة الأسر.
الأضحية في هذا العيد لم تعد مجرد ذبيحة موسمية.
صارت ملفاً سياسياً كاملاً.
فيه مال عام.
وفيه سوق غامض.
وفيه فاعلون كبار.
وفيه أسر متضررة.
وفيه سؤال لا يمكن دفنه تحت صوف الخروف: من أخذ الدعم، ومن ترك المواطن يشتري الغلاء من جيبه.
