بقلم: الباز عبدالإله
في المغرب، يكفي أن ترتفع حقينة السدود حتى تبدأ لغة الطمأنة في الدوران بسرعة.
أرقام، نسب، تصريحات، وصور لسدود استعادت شيئاً من مائها بعد سنوات قاسية من الجفاف.
لكن الماء ليس كله فوق الأرض.
وهنا بالضبط يبدأ السؤال الذي لا تحبه السياسة حين تكتفي بالجزء اللامع من المشهد: ماذا عن الخزان الصامت تحت أقدام المغاربة؟
المعطيات الرسمية المنشورة على منصة “الما ديالنا” تشير إلى أن النسبة الإجمالية لملء السدود بالمغرب بلغت 75.9 في المائة إلى غاية الإثنين 25 ماي 2026، بموارد مائية متوفرة تناهز 12.9 مليار متر مكعب. وهو رقم مهم، لا يمكن التقليل من قيمته بعد مواسم طويلة من الجفاف والقلق المائي.
وقبل ذلك، أعلن وزير التجهيز والماء نزار بركة، أمام مجلس النواب، أن التساقطات الأخيرة رفعت نسبة ملء السدود إلى حوالي 75 في المائة، بما يقارب 13 مليار متر مكعب، مؤكداً أن الموارد المتوفرة تضمن التزويد بالماء الصالح للشرب لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات حسب الجهات.
إلى هنا، تبدو الصورة مطمئنة.
لكن الطمأنينة، حين تُبنى على السد وحده، تصبح نصف حقيقة.
فالمشكل ليس في أن يقول الوزير إن السدود تحسنت، فهذا معطى مهم في سياق مائي صعب. المشكل أن تتحول هذه الطمأنة إلى خطاب مكتمل، بينما جزء حاسم من الأزمة يوجد في مكان لا تراه الكاميرا: الفرشات الجوفية.
فدراسة علمية دولية منشورة يوم 26 ماي 2026 في مجلة Frontiers in Water، تحت عنوان Optimizing groundwater recharge in Morocco’s Moulouya Basin، تفتح زاوية أخرى أكثر عمقاً وأقل قابلية للتجميل: المياه الجوفية في حوض ملوية مهددة بالاستنزاف وتغير المناخ، ومعدل التغذية الطبيعية لا يتجاوز 44 ملم في السنة.
وهنا تسقط راحة الأرقام في امتحان العمق.
السد يمكن تصويره.
الحقينة يمكن إعلانها.
النسبة يمكن تحويلها إلى عنوان.
أما الفرشة المائية، فلا تظهر في نشرة مسائية، ولا تلتقطها الكاميرات من فوق الجسور، ولا يعرف المواطن حجم ما تفقده إلا حين يصل العطش إلى الصنبور، أو حين ترتفع كلفة الفلاحة، أو حين تصبح السيادة الغذائية نفسها معلقة على قرارات لم تُتخذ في الوقت المناسب.
الدراسة لا تتكلم بلغة سياسية، لكنها تضع السياسة أمام مرآة باردة.
فقد حددت مناطق داخل حوض ملوية ذات قابلية لإعادة الشحن الاصطناعي للمياه الجوفية، منها 1,167.75 كلم مربع بدرجة عالية، و313.3 كلم مربع بدرجة عالية جداً، مع اعتبار سهل ميسور منطقة ذات أولوية.
المعنى السياسي واضح، حتى لو جاء مغلفاً بلغة علمية.
المغرب لا يحتاج فقط إلى سدود ممتلئة.
يحتاج إلى سياسة مائية تعرف كيف تحمي ما لا يُرى.
فما فائدة أن نطمئن المواطن من فوق، إذا كان الخزان تحت الأرض يتراجع في صمت؟
وما قيمة خطاب الوفرة، إذا لم يرافقه كشف صريح عن وضعية الفرشات الجوفية، وعن ضغط الزراعات، وعن منطق الاستغلال، وعن الكلفة الحقيقية للماء الذي نستهلكه اليوم ونقترضه من غد أبنائنا؟
ليس المطلوب اتهام الوزير.
وليس المطلوب تبخيس تحسن السدود.
المطلوب فقط ألا يتحول الرقم الرسمي إلى ستار يحجب الأزمة الأعمق.
لأن السياسة المائية لا تُقاس بما دخل إلى السدود فقط، بل بما بقي في الفرشات، وبما استنزفته الاختيارات الفلاحية، وبما خسرته المناطق الجافة من رصيدها الطبيعي، وبما تستطيع الدولة فعله قبل أن يصبح الإصلاح أغلى من الوقاية.
حين تتحدث الحكومة عن السدود كأنها المؤشر الوحيد على الأمن المائي، فهي لا تكذب بالضرورة، لكنها قد تقول نصف الحقيقة. ونصف الحقيقة في ملف الماء قد يكون أخطر من الصمت، لأنه يمنح المواطن طمأنينة مؤقتة، بينما الأزمة الحقيقية تواصل النزول إلى العمق.
في الظاهر، السدود امتلأت.
لكن في العمق، هناك ماء آخر ينسحب بلا ضجيج.
وهذا الماء الصامت هو الذي يضع الحكومة أمام سؤال صعب: هل نملك شجاعة قول الحقيقة كاملة، أم نفضل طمأنة المغاربة بنصف الصورة؟
حين تكون السدود في الواجهة والفرشات في الظل، يصبح الخطر ليس في العطش وحده، بل في طريقة قراءة العطش.
فمن يدير الماء بعين السد فقط، يرى السطح ولا يرى الجرح.
ومن يديره بعين المستقبل، يعرف أن الأمن المائي لا يصنعه رقم جميل في يوم ممطر، بل تصنعه سياسة عميقة تحفظ ما فوق الأرض وما تحتها.
الماء لا يحتاج إلى بلاغ مطمئن فقط.
يحتاج إلى سياسة تقول للمواطن: نعم، السدود تحسنت، لكن المعركة الحقيقية لم تنته.
لأن أخطر ما في أزمة الماء ليس أن يجف السد.
بل أن يجف الخزان الخفي بينما الجميع منشغل بصورة السد الممتلئ.
