لم تعد أزمة أضاحي العيد مجرد حديث عابر داخل الأسواق المغربية، ولا شكاية موسمية تتكرر بين المواطن والكساب والوسيط.
هذه المرة، خرج ملف الأضاحي من أسواق العيد إلى الصحافة الأوروبية.
فقد خصصت صحيفة El País الإسبانية مقالاً من الرباط لعودة أضاحي العيد إلى المغرب، في سياق اجتماعي وسياسي مشحون، حيث لم يعد ارتفاع الأسعار مجرد تفصيل مرتبط بالسوق، بل تحول إلى مؤشر على ضغط المعيشة، وعلى صعوبة تدبير واحد من أكثر المواسم حساسية في الوجدان المغربي.
لا يتعلق الأمر هنا بأن أوروبا اكتشفت فجأة غلاء المغرب.
فالمغاربة يعرفون هذا الغلاء قبل أن تكتبه الصحافة الإسبانية، ويدفعون كلفته قبل أن يتحول إلى عنوان خارج الحدود.
لكن حين يصبح ثمن الأضحية مادة في صحيفة أوروبية واسعة الانتشار، فإن الأزمة لم تعد محصورة في نقاش داخلي، بل صارت جزءاً من الصورة الاجتماعية للمغرب في الخارج.
المفارقة أن الخطاب الرسمي حاول، خلال الأسابيع الماضية، أن يقدم صورة مضبوطة عن العرض والأسعار، في وقت كانت الأسواق تقول شيئاً آخر.
ووفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية، فإن أسعار بعض الأضاحي قد تصل إلى 7000 درهم، بينما سبق أن جرى الحديث حكومياً عن مستويات سعرية أقل بكثير، في حدود ما بين 1000 و3000 درهم.
بين الرقم الرسمي وسعر السوق، ضاع المواطن.
وبين الطمأنة والواقع، وجدت الحكومة نفسها أمام امتحان صعب: كيف يمكن إقناع الأسر بأن السوق تحت السيطرة، بينما الأضحية نفسها أصبحت عنواناً في الصحافة الأوروبية؟
الأمر لا يحتاج إلى لغة فضائحية كي يكون محرجاً.
يكفي أن نقول إن الغلاء خرج من حدود الشكوى المحلية، ووصل إلى شاشة القراءة الأوروبية.
ويكفي أن تتحول أضحية العيد، بما تحمله من قيمة دينية واجتماعية ورمزية، إلى مؤشر خارجي على الضغط المعيشي داخل المغرب.
الأكثر إحراجاً أن هذا النقاش يأتي في وقت فتحت فيه المؤسسات المعنية باب التدخل والتنظيم، من مجلس المنافسة إلى الحكومة، عبر تدابير مرتبطة بأسواق البيع، ومحاربة المضاربة، وإلزامية المرور عبر الأسواق الرسمية، ومنع الممارسات التي قد تؤدي إلى رفع غير مبرر في الأسعار.
لكن السؤال الذي ظل واقفاً في وجه الجميع هو: هل وصلت هذه الإجراءات إلى جيب المواطن، أم بقيت معلقة بين النصوص والواقع؟
فالمواطن لا يشتري البلاغ.
المواطن يشتري الأضحية.
ولا يعنيه كثيراً أن تكون الإجراءات جميلة على الورق، إذا كان الثمن في السوق يجره من الطمأنينة إلى الحسابات القاسية.
حين يحتاج غلاء الأضاحي إلى جريدة أوروبية كي يعود بقوة إلى الواجهة، فإن ذلك لا يحرج السوق وحده، بل يحرج طريقة تدبير الحكومة للملف منذ البداية.
فالحكومة التي تتحدث عن الوفرة مطالبة بأن تشرح لماذا لم تنعكس هذه الوفرة على السعر.
والحكومة التي تتحدث عن التنظيم مطالبة بأن توضح لماذا بقي المواطن يشعر بأن السوق أقوى من القرار.
والحكومة التي ترفع شعار حماية القدرة الشرائية مطالبة بأن تقول، بلغة واضحة، لماذا لم تصل هذه الحماية إلى اللحظة التي يفتح فيها المواطن محفظته أمام البائع.
في العمق، ليست أزمة الأضاحي أزمة كبش فقط.
إنها مرآة صغيرة لأزمة أكبر: كلفة العيش، ضعف ضبط سلاسل الوساطة، أثر الجفاف على القطيع، حدود الدعم، واتساع المسافة بين ما تقوله الحكومة وما يلمسه المواطن في السوق.
وحين تلتقط صحيفة أوروبية هذه الصورة، فهي لا تصنع الأزمة من عدم.
هي فقط تنقلها من الهمس المحلي إلى الواجهة الخارجية.
قد تقول الحكومة إن العرض موجود.
وقد تقول إن الإجراءات اتخذت.
وقد تقول إن الأسواق مراقبة.
لكن ما يهم الرأي العام ليس عدد القرارات، بل أثرها.
وما يهم الأسرة المغربية ليس أن تسمع أن السوق منظم، بل أن تجد ثمناً لا يحول العيد إلى عملية حسابية موجعة.
لهذا تبدو زاوية El País مؤلمة سياسياً.
لأنها لا تضيف رقماً فقط، بل تكشف أن ملف الأضاحي صار قابلاً لأن يُقرأ أوروبياً كعنوان على التوتر الاجتماعي في المغرب.
وهنا يصبح السؤال أكبر من العيد.
هل نحن أمام أزمة أسعار عابرة، أم أمام فشل متكرر في حماية المواطن حين يدخل السوق بلا وسيط، ولا درع، ولا قدرة تفاوضية حقيقية؟
الأضحية هذه السنة لم تعد مجرد كبش في سوق موسمي.
صارت اختباراً لصورة الحكومة.
وصارت، أيضاً، خبراً أوروبياً عن غلاء يعرفه المغاربة جيداً، لكن يبدو أن صداه احتاج إلى جريدة إسبانية كي يعود أكثر إزعاجاً إلى الداخل.
