بقلم: الباز عبدالإله
في تقرير صادر اليوم الثلاثاء 26 ماي 2026 عن Global Affairs التابع لجامعة نافارا الإسبانية، تحت عنوان Morocco. Political Risk Report, May 2026، يظهر المغرب في صورة مركبة: بلد يواصل تعزيز موقعه اللوجستي والطاقي، ويراهن على الموانئ الكبرى والصناعة والربط بين أوروبا وإفريقيا، لكنه يظل في الوقت نفسه أمام أسئلة اجتماعية دقيقة تتصل بالشباب، وفرص الشغل، وجودة الخدمات العمومية.
يتوقع التقرير أن يحقق الاقتصاد المغربي نمواً في حدود 4.2 في المائة خلال سنة 2026، مدفوعاً بالاستثمار في البنيات التحتية، وتعافي القطاع الفلاحي، وأداء قطاعات السيارات والفوسفاط، إلى جانب استمرار الرهان على موقع المغرب كمنصة اقتصادية إقليمية صاعدة.
غير أن هذه الصورة الإيجابية لا تلغي الوجه الآخر من المعادلة، حيث يضع التقرير بطالة الشباب، المقدرة في حدود 21.9 في المائة، ضمن أبرز عناصر الهشاشة الاجتماعية التي تحتاج إلى معالجة أعمق، خاصة مع استمرار ارتباط جزء من النمو بالطلب الأوروبي والتساقطات المطرية.
من هنا تتضح معادلة المغرب بسرعتين: سرعة أولى تتحرك في طنجة المتوسط، والناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي، حيث تسعى المملكة إلى ترسيخ موقعها جسراً لوجستياً بين أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء، وسرعة ثانية تظهر في أسئلة الشباب حول الشغل، والدخل، والتعليم، والصحة، والقدرة على بناء أفق مهني وشخصي داخل هذا التحول الكبير.
لا يتعلق الأمر بالتقليل من قيمة الأوراش الكبرى، فالمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة مشاريع استراتيجية عززت حضوره الاقتصادي والجيوسياسي، ومنحته مكانة متقدمة في خرائط الاستثمار والربط القاري، غير أن السؤال المطروح اليوم هو كيف يمكن تحويل هذه الدينامية الكبرى إلى أثر اجتماعي ملموس داخل الحياة اليومية للمواطنين.
يتحدث التقرير عن سيناريو سماه Managed Stability، أي الاستقرار المُدار، باعتباره السيناريو الأرجح بالنسبة للمغرب، وهي عبارة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تفتح في العمق سؤالاً سياسياً واجتماعياً مهماً حول طبيعة الاستقرار حين لا يكون فقط نتيجة التحكم في المخاطر، بل أيضاً ثمرة الثقة، والإنصاف، وفعالية السياسات العمومية.
الأكثر حساسية أن التقرير يربط بعض مؤشرات قلق الشباب بما يعرف بـ GenZ212، وبعوامل مثل البطالة، وارتفاع كلفة المعيشة، والإحساس بوجود مسافة بين الإنفاق على المشاريع الكبرى، وبين وضع بعض الخدمات العمومية الأساسية.
ولا يقدم التقرير هذه المعطيات بوصفها أزمة فورية، بل يقرأها كعامل خطر متوسط المدى على التماسك الاجتماعي إذا لم يتم تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص ملموسة، وتحسين واضح في شروط العيش، وإحساس أوسع بالمشاركة في ثمار التحول الوطني.
وتكمن أهمية هذا التقرير في كونه لا يصدر عن فاعل سياسي داخلي، بل عن مؤسسة أكاديمية أجنبية تقارب المغرب من زاوية المخاطر السياسية، وهو ما يمنح سؤال الشباب والخدمات العمومية بعداً يتجاوز النقاش المحلي، ليدخل ضمن المؤشرات التي يتابعها المستثمرون والباحثون والدبلوماسيون عند قراءة استقرار البلدان ومساراتها المستقبلية.
المغرب يبني صورة بلد صاعد، وهذا توجه مشروع وضروري في سياق إقليمي ودولي شديد التنافس، لكن هذه الصورة لا تكتمل إلا حين يشعر المواطن بأن التحول الاقتصادي لا يبقى محصوراً في البنيات الكبرى والمؤشرات العامة، بل ينعكس على فرص الشغل، وجودة المدرسة، وجودة الولوج إلى العلاج، وعدالة الولوج إلى الخدمات.
فالميناء، مهما كانت أهميته الاستراتيجية، لا يستطيع وحده أن يجيب عن سؤال المستشفى.
والملعب، مهما كانت رمزيته، لا يمكن أن يعوض المدرسة.
والنمو، مهما بدا إيجابياً في الأرقام، لا يتحول إلى ثقة عامة إلا حين يلمس المواطن أثره في دخله، وفرصه، ومستوى الخدمات التي يتعامل معها كل يوم.
لا يقدم التقرير المغرب كبلد مأزوم، بل كدولة تملك قدرة اقتصادية، وموقعاً استراتيجياً، وطموحاً واضحاً في مجالات اللوجستيك والطاقة والصناعة، لكنه يذكّر في المقابل بأن الاستقرار لا يقاس فقط بغياب الاضطراب، بل بقدرة السياسات العمومية على تحويل المشاريع الكبرى إلى أثر اجتماعي، والنمو إلى ثقة، والأفق الوطني إلى فرصة فردية.
وهنا يوجد الامتحان الحقيقي للحكومة: ليس فقط في مواكبة الأوراش الكبرى، بل في جعل هذه الأوراش مفهومة ومقنعة بالنسبة للشباب، وفي تحويلها من عناوين استراتيجية إلى مسارات ملموسة للشغل، والتكوين، والكرامة، والارتقاء الاجتماعي.
المغرب يحتاج إلى الموانئ، والطاقة، والصناعة، والمونديال، وكلها رهانات تدخل ضمن مشروع وطني أوسع لتعزيز موقع البلاد، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى أن يشعر الشباب بأنهم ليسوا خارج هذا التحول، وأن المستقبل لا يُبنى كواجهة كبرى فقط، بل كمساحة مشتركة تمنح لكل فئة موقعها وفرصتها.
في السياسة، لا تكون الفجوة خطيرة حين توجد الأسئلة، بل حين تتأخر الأجوبة.
وحين يتحدث التقرير الإسباني عن “الاستقرار المُدار”، فذلك لا يعني بالضرورة مؤشراً سلبياً، لكنه يذكّر بأن الاستقرار الحقيقي يحتاج دائماً إلى تجديد مصادره الاجتماعية، وإلى سياسات قادرة على الإنصات لما يتحرك تحت سطح الأرقام والصور الكبرى.
قد يكون المغرب ورشاً مفتوحاً على المستقبل، لكن المستقبل لا يقاس بعدد الرافعات وحدها.
يقاس أيضاً بعدد الشباب الذين يشعرون أن لهم مكاناً فعلياً في هذا الورش، لا مجرد موقع بعيد في هامش الصورة.
