إذا صح ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية EFE، في خبر أوردته منصة Swissinfo اليوم الثلاثاء 26 ماي 2026، فإن بيع الأضاحي عبر الإنترنت يعرف حضوراً لافتاً في المغرب عشية ليلة عيد الأضحى، عبر منصات تتيح للمواطن اختيار الخروف بالصور أو عبر مكالمات الفيديو، قبل الحجز والتسليم إلى البيت.
في الظاهر، يبدو الأمر خدمة رقمية عصرية، خروف يظهر في شاشة الهاتف، بائع يشرح التفاصيل، زبون يراقب عن بعد، واتفاق يتم بلا غبار الرحبة ولا صخب السوق.
لكن هذا المشهد، إذا ثبتت دلالاته الاجتماعية والاقتصادية، لا يكشف الرقمنة وحدها، بل يفتح أيضاً سؤال الثقة داخل سوق ظل، بالنسبة إلى كثير من الأسر، مرتبطاً بالقلق من السعر، والجودة، والوساطة، وشروط التسليم.
حين يتحول شراء خروف العيد إلى عملية تحقق بالصوت والصورة، فنحن لا نكون فقط أمام تطور في طرق البيع، بل أمام احتمال أوسع، مواطن يبحث عن ضمانات إضافية بعدما لم تعد الطمأنة التقليدية كافية لإقناعه بأن كل شيء يسير بوضوح.
هذا التحول الذي تقدمه منصات البيع الرقمي كخدمة حديثة، قد يكشف في عمقه حاجة المستهلك إلى قدر أكبر من الشفافية، فالمواطن المغربي، تحت ضغط الغلاء وميزانيات أسرية مرهقة، لم يعد يكتفي بسماع الكلام العام عن الوفرة والمراقبة، بل صار يريد أن يرى، وأن يسأل، وأن يتأكد قبل أن يدفع.
الكاميرا هنا، في هذا المعنى، ليست وسيلة للرفاهية فقط، بل قد تكون أداة احتياط، ومحاولة من المواطن لتفادي المفاجآت المرتبطة بالوزن، أو السلالة، أو الحالة الصحية، أو طريقة التسليم.
وهنا تظهر المسافة بين خطاب الطمأنة وواقع الشراء، فالحكومة تستطيع أن تتحدث عن تنظيم العرض، وتوفير الأسواق، وتعزيز المراقبة، لكن المواطن في النهاية لا يشتري البلاغات.
المواطن يشتري الأضحية.
ولذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي مرتبطاً بوفرة الأضاحي فقط، بل أيضاً بوفرة الشكوك، فحين يضطر رب الأسرة إلى تفقد الخروف عبر شاشة الهاتف، والبحث عن تفاصيله كما لو أنه ينجز فحصاً دقيقاً قبل القرار، فهذا يعني أن الثقة في مسار الشراء لم تعد تأتي تلقائياً من السوق، بل صارت تحتاج إلى دليل بصري مباشر.
عيد الأضحى يحل غداً الأربعاء 27 ماي 2026، في سياق اجتماعي واقتصادي حساس، حيث لا تدخل الأضحية إلى البيت كسلعة عادية، بل كطقس ديني، وذاكرة عائلية، وقرار مالي ثقيل بالنسبة إلى فئات واسعة من المغاربة.
لذلك، إذا كانت هذه الظاهرة تعكس فعلاً اتجاهاً متنامياً، فالفيديو كول لا يبدو مجرد تفصيل طريف في موسم العيد، بل علامة على تحول أعمق، السوق يتغير، نعم، لكن علاقة المواطن بالسوق تتغير أيضاً، وما كان يفترض أن تضمنه الرقابة، والوضوح، والتنظيم، صار المواطن يبحث عنه بنفسه عبر شاشة صغيرة في يده.
الأضحية هذه السنة لم تدخل فقط إلى الأسواق والبيوت، بل دخلت أيضاً إلى الهاتف.
وبين من يرى في الأمر خدمة رقمية عادية، ومن يقرأه كعلامة على قلق اجتماعي أكبر، يبقى السؤال مفتوحاً على طاولة الحكومة قبل أن تصل الأضحية إلى باب المواطن: إذا صار المغربي يحتاج إلى مكالمة فيديو كي يطمئن إلى خروف العيد، فكم بقي من الثقة في السوق، وفي الأسعار، وفي خطاب الطمأنة.
