أعاد الملف العقاري المرتبط بمنطقة تسلطانت، بضواحي مراكش، سؤال التعمير في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي، لا باعتباره مجرد خرائط وتصاميم ورخص، بل باعتباره واحداً من أكثر المجالات حساسية حين تلتقي فيه الملكية الخاصة بالقرار العمومي، والمصلحة الاستثمارية بالمسؤولية السياسية.
فما نشرته جريدة “آشكاين”، استناداً إلى تحقيق لمنصة “لو ديسك”، لا يفتح فقط نقاشاً حول عملية بيع عقار فلاحي واسع، بل يضع أمام الرأي العام سؤالاً أكبر: كيف يمكن تدبير ملفات عقارية كبرى حين يكون الفاعل السياسي في قلب المسؤولية الترابية، وفي الوقت نفسه مشرفاً على قطاع تتحكم قراراته في قيمة الأرض ومستقبلها.
الملف يتعلق، حسب المعطيات المنشورة، بأرض فلاحية تمتد على حوالي 66 هكتاراً بمنطقة تسلطانت، جرى تفويتها لشركة إنعاش عقاري بمبلغ قارب 266 مليون درهم، في سياق أصبحت فيه هذه المنطقة واحدة من أكثر النقاط جاذبية للمشاريع السكنية والتجارية الراقية بضواحي مراكش.
القضية لا تقف عند البيع في حد ذاته، فبيع الملك الخاص حق مكفول قانوناً، ولا يمكن تحويله تلقائياً إلى شبهة سياسية، غير أن حساسية الملف تبدأ حين تنتقل الأرض من وضعية فلاحية محدودة الإمكانات العمرانية، إلى مجال مفتوح على مشاريع كبرى، في مدينة تعرف جيداً أن قراراً تعميرياً واحداً قد يرفع قيمة العقار أضعافاً، وقد يحول الهامش إلى ذهب.
هنا بالضبط يصبح السؤال مشروعاً، لا ضد الأشخاص، بل حول قواعد اللعبة نفسها.
حين تتغير طبيعة الأرض، أو تتغير فرص استثمارها، لا يعود الأمر مجرد معاملة بين بائع ومشترٍ، بل يصبح جزءاً من منظومة أوسع تتحكم فيها الوكالات الحضرية، وتصاميم التهيئة، والرخص، والقرارات الإدارية، والتوجهات الحكومية المرتبطة بإعداد التراب والتعمير.
وتزداد حساسية النقاش لأن الاسم الحاضر في الملف ليس اسماً عادياً في المشهد المحلي، بل يتعلق بفاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وعمدة مراكش في الآن نفسه، أي أنها تجمع بين موقعين يوجدان في قلب هندسة القرار الترابي، محلياً ووطنياً.
هذا الجمع بين المسؤوليتين يضع الملف في منطقة دقيقة، حتى وإن كانت كل العمليات العقارية قد تمت في إطار القانون، لأن السياسة لا تُقاس فقط بما يسمح به النص، بل أيضاً بما يثيره الموقع من أسئلة حول المسافة الضرورية بين القرار العمومي والمصلحة الخاصة.
والفرق كبير بين أن يكون الشخص مالكاً لعقار خاص، وبين أن يكون في موقع سياسي وإداري يجعل قرارات القطاع الذي يشرف عليه قادرة على التأثير المباشر أو غير المباشر في قيمة ذلك العقار أو في محيطه الاستثماري.
لهذا لا يبدو ملف تسلطانت مجرد خبر عابر عن بيع أرض، بل مرآة لواحدة من أعقد الإشكالات داخل التدبير العمومي المغربي: هل تكفي التصاريح القانونية لتبديد كل الالتباس، أم أن مواقع المسؤولية تفرض درجة أعلى من الوضوح والابتعاد عن كل ما قد يفتح شهية التأويل السياسي.
في المقابل، نفت فاطمة الزهراء المنصوري في وقت سابق ما اعتبرته ادعاءات مغرضة، مؤكدة أن العقارات موضوع الحديث أملاك خاصة موروثة عن والدها الراحل عبد الرحمان المنصوري، وأنها اقتنيت من خواص منذ سنة 1978، ولا علاقة لها بأراضي الدولة أو الكيش أو أي وعاء عقاري عمومي.
كما شددت المنصوري، وفق ما نُشر في بلاغها التوضيحي، على أن وضعيتها المالية والعقارية جرى التصريح بها منذ أول ولاية لها على رأس جماعة مراكش سنة 2009 لدى المجلس الأعلى للحسابات، معتبرة أن ما يروج في هذا الباب يندرج ضمن حملة تستهدفها وأسرتها، وأن المعاملات المعنية تمت وفق القانون.
غير أن النفي، مهما كان قوياً، لا يلغي الحاجة إلى النقاش العمومي، لأن السؤال هنا لم يعد محصوراً في أصل الملكية فقط، بل في علاقة العقار بالقرار التعميري، وفي قدرة المؤسسات على إقناع المواطن بأن الخرائط لا تتحول إلى امتياز ملتبس، وأن الأرض لا تصبح أكثر قيمة لأنها اقتربت من دوائر القرار.
الملف يضع الحكومة، والأحزاب، والمنتخبين، أمام امتحان أكبر من حالة فردية، امتحان اسمه تضارب المصالح المحتمل، وشفافية التصاميم، وحدود الجمع بين المسؤولية السياسية وتدبير قطاعات عالية الحساسية اقتصادياً.
ففي بلد يعرف ضغطاً عقارياً كبيراً، وتفاوتاً صارخاً بين من ينتظر رخصة بسيطة لبناء بيت، ومن يرى مشاريع ضخمة تتحرك بسرعة لافتة، يصبح التعمير أكثر من إدارة تقنية، يصبح مقياساً للثقة.
وتلك هي خطورة تسلطانت.
ليست فقط أرضاً بيعت، ولا رقماً مالياً كبيراً، ولا اسماً سياسياً بارزاً، بل سؤال عميق حول من يملك الأرض، ومن يملك القرار، ومن يملك حق الاطمئنان إلى أن المسافة بينهما ما زالت آمنة.
