فتح الباحث إدريس الكنبوري نقاشاً سياسياً حاداً حول الطريقة التي يصل بها رؤساء الحكومات إلى السلطة في المغرب، معتبراً أن اسم رئيس الحكومة يمكن توقعه قبل موعد الانتخابات بوقت طويل، لأن الاقتراع، وفق قراءته، يأتي غالباً لتزكية اختيار جرى إعداده مسبقاً، وليس لحسم سباق مفتوح بين مرشحين وبرامج متنافسة.
وكتب الكنبوري، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، أنه «في المغرب يمكنك معرفة رئيس الحكومة قبل الانتخابات بوقت طويل، ويمكنك على الأقل أن تخمنه بنسبة 80 في المائة، وغالباً ما تصدق التخمينات».
وقارن الباحث المغربي هذا الوضع بما يجري داخل البلدان الديمقراطية، حيث تتوزع توقعات الفوز على أكثر من مرشح، وتستند أساساً إلى استطلاعات رأي دورية تُنجز بين المواطنين، خصوصاً خلال الأسابيع السابقة للانتخابات.
وقال الكنبوري إن المرشحين في هذه البلدان يصعدون ويهبطون داخل استطلاعات الرأي تبعاً لمواقف الناخبين وتطورات الحملة الانتخابية، قبل أن تحسم صناديق الاقتراع النتيجة النهائية، بينما يرى أن الأمر يجري بصورة مختلفة في المغرب، حيث لا توجد استطلاعات رأي انتخابية منتظمة تتيح قياس شعبية الأحزاب والمرشحين لدى الرأي العام.
وأضاف: «إنها ظاهرة عجيبة لا توجد في بلد من البلدان الديمقراطية.
في هذه البلدان تقع التقديرات على أكثر من شخص، وتكون تلك التقديرات مبنية على استطلاعات الرأي بين المواطنين، وتجرى الاستطلاعات كل أسبوع عندما تقترب الانتخابات، فيصعد البعض ويهبط البعض، لأن الانتخابات هي التي تحسم».
وبحسب قراءة الكنبوري، فإن غياب الاستطلاعات لا يمنع تداول اسم بعينه قبل الانتخابات، لأن ما وصفه بـ«الدولة العميقة» هو الذي يحدد، في نظره، الشخصية المرشحة لرئاسة الحكومة بناءً على معايير غير معلنة، ثم تأتي نتائج الاقتراع لاحقاً لتمنح ذلك الاختيار غطاءً انتخابياً.
وكتب في هذا السياق: «لكن في المغرب، حيث لا توجد استطلاعات الرأي، الأمر مختلف، لأن الدولة العميقة هي التي تعين رئيس الحكومة بناء على معايير خاصة لا تعرفها إلا هي، وتأتي الانتخابات كتزكية لذلك الاختيار وليس العكس».
وشدد الكنبوري على أن الناخب المغربي، بحسب تحليله، يمارس حقه في التصويت، لكن هذا الحق لا يقود بالضرورة إلى إنتاج رئيس حكومة خارج دائرة القبول المسبق لدى مراكز القرار.
واختصر فكرته في عبارة سياسية مباشرة: «في المغرب لا يمكن للانتخابات أن تحسم في رئيس حكومة لا ترضى عنه الدولة، فالاقتراع حق للناخب، لكن التعيين حق للدولة».
واستحضر الباحث تجربة التناوب التوافقي خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني، مشيراً إلى أن الحوار مع المعارضة الاتحادية انطلق سنة 1993، بينما لم يُعيّن عبد الرحمان اليوسفي وزيراً أول إلا سنة 1998.
واعتبر أن هذه التجربة أتاحت معرفة الشخصية التي كانت تتجه نحو قيادة الحكومة قبل سنوات من التعيين الرسمي، قائلاً: «في عهد الحسن الثاني تعرفنا على الوزير الأول قبل سنوات طويلة، فقد فتح الملك الراحل حواراً مع المعارضة الاتحادية عام 1993 من أجل التناوب الذي سمي توافقياً، ولم يتم تعيين عبد الرحمان اليوسفي وزيراً أول إلا عام 1998، وهكذا تعرفنا على الوزير الأول خمس سنوات قبل تعيينه».
وانتقل الكنبوري من تجربة اليوسفي إلى الجدل المتصاعد حالياً حول المستقبل السياسي لفوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بعد تداول معطيات عن التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة وإمكانية ترشحه خلال الانتخابات التشريعية المقبلة.
وقال الكنبوري بوضوح: «اليوم يجري الحديث عن فوزي لقجع رئيساً للحكومة المقبلة، يمكنك أن تخمن بنسبة 80 في المائة المذكورة أعلاه بأنه سيكون كذلك».
ولا يقدم هذا الكلام معلومة رسمية أو إعلاناً عن حسم هوية رئيس الحكومة المقبل، بل يعبر عن تقدير سياسي شخصي لصاحبه، في وقت لم تصدر فيه نتائج الانتخابات ولم يُعلن رسمياً عن تصدر أي حزب للاستحقاقات التشريعية.
ويظل الفصل 47 من الدستور المغربي هو الإطار القانوني المنظم للتعيين، إذ ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها.
غير أن تدوينة الكنبوري تطرح سؤالاً يتجاوز النص القانوني إلى واقع الممارسة السياسية: هل تحدد صناديق الاقتراع فعلاً الشخصية التي ستقود الحكومة، أم تقتصر مهمتها على إنتاج الحزب الذي سيمر عبره اختيار حُسم سلفاً؟
واستعار الكنبوري من المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة مصطلح «الذلقراطية»، الذي يجمع بصورة ساخرة بين «الذل» و«الديمقراطية»، قبل أن يقترح مصطلحاً آخر لوصف تحكم الدولة، حسب رأيه، في قواعد الاختيار الديمقراطي.
وختم تدوينته قائلاً: «المهدي المنجرة وضع مصطلحاً ساخراً سماه الذلقراطية، جامعاً بين الذل والديمقراطية، وهو مصطلح هزلي، لكن المصطلح التقني هو الدولقراطية، لأن الدولة هي التي تحدد طريقة الاختيار الديمقراطي: أنت تختار ونحن نختار، لكن لا يكون إلا ما نختار».
بهذه العبارة، لم يكتف الكنبوري بالتشكيك في قدرة الانتخابات على إنتاج مفاجأة سياسية، بل وضع الاستحقاق المقبل كله أمام سؤال محرج: إذا كان اسم رئيس الحكومة قابلاً للتوقع قبل بدء الحملة وفتح صناديق الاقتراع، فماذا يختار الناخب فعلياً يوم التصويت؟
