بقلم: الباز عبدالإله
وضع تقرير إسباني جديد التحولات الديمغرافية التي تعرفها سبتة ومليلية في صلب النقاش المرتبط بالهجرة والحدود ومستقبل المدينتين، بعدما اعتبر أن السكان من أصول مغربية باتوا يمثلون وزناً متزايداً، خصوصاً داخل الفئات العمرية الشابة.
التقرير، الذي نشره المرصد الديمغرافي التابع لمركز الدراسات والتكوين والتحليل الاجتماعي «CEU CEFAS»، أمس الأربعاء 22 يوليوز 2026، يحمل عنوان «ديمغرافية جزر الكناري وسبتة ومليلية: الحدود الجنوبية المسامية لإسبانيا».
ويُعد «CEU CEFAS» مركزاً بحثياً إسبانياً ذا مرجعية فكرية محافظة، ولا تمثل خلاصاته موقفاً رسمياً صادراً عن الحكومة الإسبانية.
أشرف على التقرير خواكين ليغينا، الأستاذ الفخري بجامعة «CEU San Pablo»، بينما تولى أليخاندرو ماكارون تنسيقه من داخل قسم الدراسات والتحليل الاجتماعي بالمركز.
وقال معدّوه إنهم اعتمدوا على بيانات المعهد الوطني الإسباني للإحصاء، ومكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات»، ووزارتي الداخلية والصحة الإسبانيتين، والأمم المتحدة ومصادر رسمية أخرى.
وبحسب الوثيقة، سُجل دخول أكثر من 350 ألف مهاجر إلى إسبانيا بطريقة غير نظامية عبر جزر الكناري وسبتة ومليلية خلال العقود الثلاثة الماضية.
وأوضح التقرير أن 270 ألفاً و218 مهاجراً وصلوا بحراً إلى جزر الكناري منذ سنة 1994، من بينهم 142 ألفاً و539 شخصاً خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، أي أكثر من نصف العدد الإجمالي المسجل خلال ثلاثة عقود.
أما في سبتة ومليلية، حيث تتم غالبية عمليات العبور براً، فقد قدّر التقرير عدد الوافدين بصورة غير نظامية خلال الفترة نفسها بما يتراوح بين 85 ألفاً و100 ألف شخص.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الوافدين مغاربة، إذ تشمل تدفقات قادمة من المغرب ومن دول إفريقية أخرى، كما لا تعني أن جميع من عبروا هذه المناطق استقروا فيها.
واعتبر معدّو التقرير أن جزر الكناري ظلت أساساً محطة عبور نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، مستندين إلى أن 124 ألفاً و751 مهاجراً وصلوا إليها بحراً بين سنتي 2021 و2024، في حين لم يرتفع عدد السكان المقيمين المولودين في إفريقيا سوى بنحو 9600 شخص خلال الفترة التي اعتمدتها الوثيقة.
وعلى خلاف جزر الكناري، قال التقرير إن القرب الجغرافي من المغرب ترك أثراً أعمق على التركيبة السكانية في سبتة ومليلية، مشيراً إلى أن المدينتين تضمان أصغر تجمعين سكانيين من حيث متوسط العمر داخل إسبانيا.
وبلغ متوسط العمر، وفق الوثيقة، 39.26 سنة في سبتة و37.66 سنة في مليلية، مقابل 44.55 سنة على المستوى الإسباني.
كما ما زال عدد الولادات في المدينتين يفوق عدد الوفيات، وهو ما ربطه التقرير بما وصفه بالخصوبة التاريخية المرتفعة لدى السكان من أصول مغربية، رغم تسجيل تراجع فيها خلال السنوات الأخيرة.
وكشف التقرير أن أكثر من 86 في المائة من السكان المولودين خارج إسبانيا والمقيمين في سبتة ومليلية يتحدرون من المغرب.
ويمثل الأشخاص المولودون في المغرب 11.8 في المائة من مجموع سكان سبتة، وترتفع نسبتهم إلى 21.2 في المائة في مليلية، وهي أرقام لا تشمل، بحسب الوثيقة، أبناءهم وأحفادهم المولودين داخل إسبانيا والحاملين للجنسية الإسبانية.
وانتقل التقرير من بيانات الولادة ومكان المنشأ إلى تحليل أسماء السكان وألقابهم، ليقدّر أن السكان الذين وصفهم بـ«ذوي الأصول المغربية المسلمة» قد يكونون قريبين من تشكيل الأغلبية عند جمع سكان المدينتين، وأنهم يمثلون، وفق استنتاجاته، أغلبية واسعة بين الأطفال والشباب.
واستند معدّو الوثيقة إلى الأسماء العشرين الأكثر شيوعاً بين المواليد الذكور خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2024، وهي عينة لا تشمل جميع المواليد ولا تكفي وحدها لتحديد الأصل العائلي أو الانتماء الديني بدقة.
ووفق هذا المؤشر المحدود، بلغت حصة الأسماء التي صنفها التقرير ضمن الأسماء العربية أو الإسلامية 81.1 في المائة في سبتة، وتراوحت بين 87.8 و90.8 في المائة في مليلية.
ولا تشمل هذه النسب جميع المواليد الذكور، بل تقتصر على أصحاب الأسماء العشرين الأكثر تداولاً، الذين يمثلون نحو 27.8 في المائة من المواليد الذكور في سبتة و29.1 في المائة في مليلية خلال الفترة المدروسة.
وأقر التقرير بأن منهج تحليل الأسماء والألقاب لا يسمح بتحديد النسبة الحقيقية للسكان من أصول مغربية أو المنتمين إلى الديانة الإسلامية بدقة، وأن الاعتماد على الأسماء والألقاب الأكثر شيوعاً قد يؤدي إلى المبالغة في تقدير وزنهم الديمغرافي، بسبب احتمال ارتفاع درجة تركز الأسماء والألقاب المتكررة داخل هذه الفئة.
ولم تقتصر الوثيقة على عرض المعطيات السكانية، بل ربطتها بملف الحدود والسيادة، إذ تحدث المركز الإسباني عن استمرار المطالب الترابية المغربية بشأن سبتة ومليلية، واعتبر أن التركيبة السكانية للمدينتين أصبحت، إلى حد كبير، ذات أصل أو امتداد عائلي مغربي.
كما زعم التقرير أن بعض المسؤولين المغاربة يشيرون أحياناً إلى جزر الكناري ضمن ما وصفه بـ«طموحات توسعية».
ويظل هذا الوصف موقفاً سياسياً صادراً عن المركز الإسباني، إذ لم يقدم الملخص المنشور للتقرير تصريحاً رسمياً مغربياً محدداً أو وثيقة تثبت هذا الادعاء.
وقال المركز إن الحدود المحيطة بجزر الكناري وسبتة ومليلية تتعرض منذ عقود لعمليات عبور غير نظامية متكررة قادمة من المغرب ودول إفريقية أخرى، معتبراً أن السلطات الإسبانية لم تنجح في ضمان مراقبتها بصورة فعالة.
وفي مقابل التركيبة السكانية الشابة، سجل التقرير أن سبتة ومليلية تتوفران على بعض أسوأ مؤشرات الشغل وطول العمر داخل إسبانيا.
وبلغت البطالة خلال الفصل الأخير من سنة 2025 نحو 22.2 في المائة في سبتة و23 في المائة في مليلية، أي أكثر من ضعف المعدل الإسباني، إلى جانب تسجيل المدينتين أدنى مستويات أمد الحياة المتوقع داخل البلاد.
وتُظهر الوثيقة أن مركزاً بحثياً إسبانياً ذا توجه محافظ اختار إدراج أرقام الهجرة وأصول السكان وأسماء المواليد ضمن إطار سياسي يتجاوز الوصف الديمغرافي، بعدما ربط بصورة مباشرة بين تزايد وزن السكان من أصول مغربية وبين الحدود والمطالب المغربية المتعلقة بمستقبل سبتة ومليلية.
