صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، يوم الاثنين 22 يونيو 2026، بالإجماع على تعديل يقضي بإخضاع حسابات ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، في خطوة اعتبرها وزير العدل عبد اللطيف وهبي وفاءً بالتزام سابق، ودخولاً فعلياً لهذه الحسابات إلى دائرة التدقيق المؤسساتي، وفق المساطر القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.
ويمنح التعديل الجديد المجلس الأعلى للحسابات صلاحية التحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية المرتبطة بحسابات الودائع والأداءات، بما يشمل عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء، إلى جانب تتبع الأرصدة والفوائد والمصاريف المرتبطة بها.
كما يتضمن التعديل مقتضى يمنع مجالس هيئات المحامين من خصم أي مبلغ من الأموال المصفاة المودعة بحساب الودائع والأداءات الخاص بالمحامي وموكليه، في إجراء يقدمه المدافعون عنه باعتباره ضمانة إضافية لحماية أموال المتقاضين والمحامين، وتحصيناً لهذه الحسابات من أي تصرف غير مؤطر بسند قانوني واضح.
من حيث المبدأ، يصعب الاعتراض على مراقبة الأموال المرتبطة بحقوق المواطنين.
فالمحامي، مهما كانت مكانته الاعتبارية داخل منظومة العدالة، لا يتصرف في مال خاص به حين يتعلق الأمر بودائع المتقاضين أو مبالغ التنفيذ أو التعويضات أو الأداءات التي تمر عبر حسابات مهنية.
هذه أموال مرتبطة بحقوق المواطنين، ومن حق أصحابها أن يعرفوا كيف أودعت، وكيف صُرفت، وما مصير فوائدها ومصاريفها، وما إذا كانت هناك اقتطاعات تمت بناء على سند قانوني واضح، أم استناداً إلى أعراف مهنية لا تكفي وحدها لتبرير المساس بأموال الغير.
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى رقابة المجلس الأعلى للحسابات باعتبارها، في ذاتها، اعتداءً على مهنة المحاماة، متى ظلت محصورة في نطاقها المالي والمؤسساتي الدقيق، ولم تتحول إلى مدخل للتضييق على استقلال الدفاع أو المساس بسرية العلاقة بين المحامي وموكله.
فالفرق واضح بين مراقبة المال ومحاصرة المهنة، والخلط بين الأمرين قد يضر بالمحامين قبل غيرهم، لأن الدفاع عن استقلالية المحاماة لا ينبغي أن يظهر، أمام الرأي العام، كما لو أنه دفاع عن مناطق مالية غير قابلة للسؤال.
لكن الأهم في هذه المحطة لا يقف عند حدود العلاقة المتوترة بين وزير العدل وهيئات المحامين، بل يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بأولويات البرلمان وحدود جرأته التشريعية.
فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا يشتغل البرلمان بهذا الحزم حين يتعلق الأمر بحسابات ودائع المحامين، بينما لا يظهر الحماس ذاته حين يتعلق الأمر مباشرة بجيوب المغاربة؟
إذا كانت أموال المتقاضين تستحق الحماية، وهذا أمر صحيح ولا خلاف حوله، فإن القدرة الشرائية لملايين المواطنين تستحق بدورها حماية تشريعية واضحة.
وإذا كان من حق السلطات المختصة أن تسأل هيئات المحامين عن مصير الودائع والفوائد والاقتطاعات، فمن حق المغاربة أن يسألوا المؤسسة التشريعية عن سبب غياب الصرامة نفسها عندما طُرح ملف تسقيف أسعار المحروقات، أو عندما عاد ملف “لاسامير” إلى الواجهة باعتباره ورقة استراتيجية مرتبطة بالسيادة الطاقية الوطنية.
هنا تبرز المفارقة.
المؤسسات تعرف كيف تكون حازمة عندما تنضج الإرادة السياسية.
والبرلمان يعرف كيف يصوت بسرعة عندما تتوفر شروط التوافق. واللجان قادرة على بلوغ صيغ مشتركة حين يكون القرار واضحاً. لكن حين ينتقل النقاش إلى سوق المحروقات، وهوامش الربح، وكلفة النقل، وانعكاس الأسعار على الغذاء والخدمات والمعيش اليومي، تصبح الجرأة أبطأ، والتوافق أصعب، والحسم أقل وضوحاً.
وليست “لاسامير” تفصيلاً تقنياً في هذا النقاش. إنها عنوان مركزي لسؤال السيادة الطاقية، ومؤشر على حدود الإرادة السياسية حين يتعلق الأمر باستعادة أداة استراتيجية كان يمكن، في نظر المدافعين عن هذا الخيار، أن تمنح البلاد هامشاً أكبر في تدبير التكرير والمخزون ومواجهة تقلبات السوق الدولية.
أما تسقيف أسعار المحروقات، فليس مطلباً شعبوياً كما يحاول البعض تقديمه، بل سؤال اجتماعي واقتصادي يرتبط مباشرة بحماية القدرة الشرائية، وبمدى قدرة المؤسسة التشريعية على التدخل حين تتحول الأسعار إلى عبء يومي على الأسر والمهنيين وقطاع النقل والأسواق.
من هنا تصبح المقارنة مشروعة. لماذا تصبح الرقابة ممكنة وسريعة حين يتعلق الأمر بحسابات المحامين، بينما يصبح التدخل التشريعي أكثر تعقيداً وتردداً حين يتعلق الأمر بلاسامير وتسقيف المحروقات؟ ولماذا يسهل ضبط ودائع مهنية، بينما يصعب فتح نقاش حاسم حول قطاع يثقل كلفة العيش والتنقل على المواطنين؟
ليست الإشكالية في مراقبة حسابات المحامين. الإشكالية في أن المواطن يرى أن منطق الرقابة يتحرك بقوة في اتجاهات معينة، ويتراجع عند أبواب أخرى.
يرى أن أموال المتقاضين داخل حسابات مهنية أصبحت موضوع تدقيق مشروع، لكنه لا يرى الحماس ذاته لفحص اختيارات تنظيمية ومالية داخل قطاعات حيوية تمس حياته اليومية.
يرى أن المؤسسات قادرة على الدخول إلى تفاصيل الإيداع والسحب والتحويل داخل حسابات الودائع، لكنها أقل اندفاعاً حين يتعلق الأمر بسعر اللتر، وفاتورة التنقل، وكلفة المعيشة التي تستنزف الأجور قبل نهاية الشهر.
لذلك، فإن من وقف مع المحامين في احتجاجهم لم يكن بالضرورة ضد الشفافية أو ضد حماية أموال المتقاضين.
كثيرون دافعوا عن المحاماة لأنهم رأوا في طريقة تدبير الملف قدراً من التصعيد، وفي خطاب وزير العدل حدة زائدة، وفي المسار التشريعي توتراً مس الثقة بين الوزارة ومهنة يفترض أنها شريك أساسي في العدالة، لا خصم داخلها.
لكن الوقوف مع المحامين لا يعني تبرير أي اقتطاع غير واضح من أموال المتقاضين، ولا يعني رفض مراقبة مالية مؤسساتية تحمي المواطن والمحامي معاً.
كما أن مساندة الرقابة اليوم لا تعني منح شيك سياسي على بياض لوزير العدل.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بتمرير تعديل داخل لجنة، بل بمدى قدرته على إنتاج ثقة جديدة بين المؤسسات والمهن القانونية، وعلى حماية المال دون إهانة المهنة، وعلى ضبط الحسابات دون تحويل النقاش إلى انتصار شخصي لهذا الطرف أو ذاك.
عبد اللطيف وهبي ربح، بلا شك، نقطة سياسية في هذا الملف. فقد نجح في تمرير واحدة من أكثر النقط حساسية داخل مشروع قانون مهنة المحاماة، بعدما كانت موضوع شد وجذب بين الوزارة والجسم المهني.
لكن هذا الربح السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى إعلان هزيمة للمحامين.
فالعدالة لا تحتاج إلى وزير ينتصر على الدفاع، بل إلى منظومة تنتصر للشفافية دون أن تكسر استقلال المهن.
في المقابل، على هيئات المحامين أن تلتقط الرسالة بوضوح. المجتمع لم يعد يتقبل من أي مؤسسة أو مهنة أن تضع نفسها خارج السؤال.
زمن الثقة المطلقة انتهى، والمال، متى تعلق بحقوق المواطنين، يصبح قابلاً للمساءلة، مهما كان الوعاء الذي يوجد داخله.
لذلك، سيكون من مصلحة المحامين أنفسهم أن يقدموا للرأي العام خطاباً واضحاً يشرح طبيعة هذه الحسابات، ومآل فوائدها، وسند أي اقتطاع محتمل، وحدود ما يدخل في التدبير المهني المشروع وما ينبغي أن يخضع للمراجعة.
غير أن المعركة الأوسع تبقى في مكان آخر.
فالمغاربة لا يريدون برلماناً صارماً فقط مع المحامين، ولا حكومة جريئة فقط في الملفات الأقل حساسية اقتصادياً.
يريدون النفس الرقابي نفسه حين يتعلق الأمر بالمحروقات. ويريدون الحماس نفسه حين يتعلق الأمر بلاسامير واسترجاع أدوات السيادة الاقتصادية.
ويريدون السرعة نفسها حين تمس القرارات جيوب المواطنين لا حسابات المهنيين وحدها.
الرقابة على ودائع المحامين خطوة مهمة، لكنها ستبقى ناقصة سياسياً وأخلاقياً إذا ظلت معزولة عن سؤال العدالة الاقتصادية.
فلا معنى لمنظومة تدقق في حسابات الودائع، بينما يواجه المواطن أسعاراً متقلبة تثقل معيشه اليومي.
ولا معنى لبرلمان يرفع شعار حماية أموال المتقاضين، ثم يتردد حين يتعلق الأمر بتسقيف أسعار المحروقات أو بإحياء ملف لاسامير باعتباره مدخلاً ممكناً لحماية الأمن الطاقي والقدرة الشرائية.
الشفافية لا تتجزأ، والحكامة لا ينبغي أن تكون انتقائية.
ومن يريد حماية أموال المواطنين داخل حسابات المحامين، عليه أن يمتلك الشجاعة نفسها لحماية أموالهم داخل محطات الوقود، وفواتير النقل، وأسواق الغذاء، وكل القطاعات التي تجعل القدرة الشرائية تحت ضغط مستمر.
