بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد حضور المغرب في ملفات مكافحة الإرهاب محصوراً في فضائه التقليدي المرتبط بالشراكات الأمنية مع أوروبا والولايات المتحدة.
فالاجتماع الذي احتضنته نيودلهي، اليوم الاثنين 22 يونيو 2026، في إطار الدورة الثانية لمجموعة العمل المشتركة المغربية الهندية حول مكافحة الإرهاب، يعكس توجهاً واضحاً لدى الرباط نحو تنويع شركائها الأمنيين والدبلوماسيين، والانفتاح أكثر على قوى آسيوية وازنة، في مقدمتها الهند.
ورغم أن اللقاء قد يبدو، في ظاهره، اجتماعاً تقنياً بين مسؤولين أمنيين ودبلوماسيين، إلا أن مضامينه تكشف عن مستوى أعمق من التنسيق بين البلدين، في سياق دولي تتغير فيه طبيعة التهديدات الإرهابية بشكل متسارع.
فالإرهاب لم يعد مرتبطاً فقط بالتنظيمات الكلاسيكية أو ببؤر التوتر التقليدية، بل أصبح أكثر ارتباطاً بالشبكات العابرة للحدود، وبالتمويل غير التقليدي، وباستعمال التكنولوجيا والفضاء الرقمي في الاستقطاب والتجنيد والتخطيط والتحريض.
وبحسب المعطيات الصادرة عن وزارة الخارجية الهندية، فقد ناقش الجانبان التهديدات التي تطرحها الجماعات الإرهابية على المستويين الإقليمي والدولي، وتبادلا وجهات النظر بشأن التحديات الحالية والناشئة في مجال مكافحة الإرهاب، بما في ذلك التطرف العنيف، وتمويل الإرهاب، واستعمال التكنولوجيا لأغراض إرهابية، وحركة العناصر الإرهابية عبر الحدود، فضلاً عن العلاقة المتزايدة بين الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وتمنح هذه المحاور للاجتماع دلالة تتجاوز حدود اللقاء الثنائي العادي. فالمغرب، الذي راكم خلال السنوات الماضية تجربة أمنية معتبرة في مجال تفكيك الخلايا الإرهابية، وتتبع مسارات التطرف، وتعزيز التعاون القضائي والأمني، يبدو حريصاً على تحويل هذه التجربة إلى عنصر من عناصر حضوره الدبلوماسي، ليس فقط داخل محيطه الإفريقي والمتوسطي، بل أيضاً في اتجاه شركاء جدد داخل آسيا.
واللافت أن النقاش بين الرباط ونيودلهي لم يتوقف عند تبادل التقييمات العامة بشأن المخاطر الإرهابية، بل شمل أيضاً بحث سبل تعزيز التعاون العملي من خلال تبادل المعلومات، وبناء القدرات، وتقاسم أفضل الممارسات، وتنسيق المواقف داخل المؤسسات والمنتديات الدولية، من بينها الأمم المتحدة، ومجموعة العمل المالي، والمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب.
وهي مؤشرات تؤكد أن الأمر لا يتعلق بمجرد لقاء بروتوكولي، بل بمحاولة إرساء مسار تعاون أكثر انتظاماً ووضوحاً.
وتكتسب هذه الدينامية أهميتها من كون المغرب لا يتحرك في هذا الملف من موقع المتلقي للخبرة، بل من موقع الشريك الذي راكم تجربة باتت مطلوبة في عدد من الدوائر الدولية.
فقد جعلت الرباط من الأمن ومكافحة التطرف أحد مداخل سياستها الخارجية، سواء في علاقتها بإفريقيا، أو في شراكاتها مع أوروبا والولايات المتحدة، أو داخل المنتديات الأممية والدولية المعنية بمواجهة الإرهاب والتطرف العنيف.
ومن هذه الزاوية، تبدو نيودلهي محطة ذات دلالة خاصة. فالهند ليست طرفاً هامشياً في المعادلة الدولية، بل قوة آسيوية صاعدة، لها مصالح أمنية ودبلوماسية واسعة، وتواجه بدورها تحديات مرتبطة بالإرهاب العابر للحدود وبالتوترات الإقليمية في جنوب آسيا. لذلك، فإن تعميق الحوار الأمني بين المغرب والهند يمنح الرباط موقعاً أوسع خارج مجالها الجغرافي التقليدي، ويؤكد أن التجربة المغربية في مكافحة الإرهاب باتت قابلة للتوظيف ضمن شراكات متعددة الاتجاهات.
كما أن إدانة الجانبين لعدد من الهجمات الإرهابية التي استهدفت الهند تضيف بعداً سياسياً واضحاً لهذا اللقاء، وتكشف عن أرضية مشتركة في قراءة طبيعة المخاطر الأمنية المعاصرة، التي لم تعد محلية أو إقليمية فقط، بل أصبحت مرتبطة بشبكات تمويل وتنقل وتحريض تستفيد من التطور التكنولوجي ومن هشاشة بعض المجالات الجيوسياسية.
ولا يمكن فصل هذا التقارب الأمني عن المسار الأوسع للعلاقات المغربية الهندية. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في مجالات التعاون بين البلدين، شمل الدفاع، والصناعة، والأسمدة، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، والتكوين. ومع تعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، صار التعاون في مجال مكافحة الإرهاب جزءاً من بنية أوسع للعلاقات الثنائية، تتحرك بين الاقتصاد والدفاع والتكنولوجيا والدبلوماسية.
وبالنسبة للمغرب، تكتسي هذه الشراكة أهمية خاصة في ظل تحديات أمنية مرتبطة بمحيطه الإقليمي، وبمنطقة الساحل والصحراء، وبالتحولات الرقمية التي غيرت أساليب الاستقطاب والتجنيد والتعبئة.
ومن ثم، فإن الانفتاح على الهند يعكس إدراكاً مغربياً بأن مواجهة التهديدات الجديدة لا يمكن أن تظل رهينة بالدائرة الغربية التقليدية، بل تحتاج إلى شبكة أوسع من الشركاء، وإلى مقاربات متعددة المستويات.
غير أن هذا المسار يطرح، في المقابل، سؤالاً سياسياً أوسع حول طبيعة الدبلوماسية الأمنية المغربية في المرحلة المقبلة.
هل نحن أمام انتقال فعلي نحو توظيف مكافحة الإرهاب كمدخل لتعزيز النفوذ، وتوسيع الشراكات، وحماية المصالح الاستراتيجية؟ أم أن التعاون المغربي الهندي ما يزال في حدود تنسيق تقني يحتاج إلى مزيد من المأسسة والبرامج العملية حتى يتحول إلى شراكة أمنية أكثر عمقاً؟
الجواب لن تمنحه البيانات الرسمية وحدها، بل ستحدده طبيعة الخطوات المقبلة، وحجم التنسيق الفعلي بين الرباط ونيودلهي، ومدى انتقال التعاون من تبادل وجهات النظر إلى برامج ملموسة في التكوين، وتبادل المعلومات، والأمن السيبراني، وتتبع التمويل، ومواجهة استعمال التكنولوجيا من طرف الشبكات المتطرفة.
الثابت، إلى حدود اليوم، أن المغرب لم يعد يتعامل مع مكافحة الإرهاب باعتبارها ملفاً أمنياً داخلياً فقط، بل بوصفها مجالاً من مجالات حضوره الدبلوماسي.
ومن الرباط إلى نيودلهي، تبدو دبلوماسية مكافحة الإرهاب وقد دخلت مرحلة جديدة، عنوانها تنويع الشركاء، وتوسيع هامش الحركة، وتحويل الخبرة الأمنية إلى رصيد استراتيجي في عالم تتداخل فيه التهديدات والمصالح والتحالفات.
