أعادت وثيقة التتبع الجديدة الصادرة عن البنك الدولي مشروع التنمية الاقتصادية في الشمال الشرقي إلى واجهة نقاش جوهري: ما الذي تحقق فعلياً من تمويل بقيمة 250 مليون دولار؟
الوثيقة لا تعلن عن قرض جديد، بل ترصد مسار مشروع تمت المصادقة عليه سنة 2022، وقد قُدم آنذاك باعتباره رافعة لتحسين الربط الطرقي، وتنشيط القطاع الخاص، وتأهيل الشباب، وربط محيط ناظور غرب المتوسط بدينامية اقتصادية أوسع.
بعد مرور سنوات على إطلاق المشروع، لم يعد النقاش مرتبطاً بحجم التمويل، بل بحجم الأثر المحقق.
فقد كانت الأهداف المعلنة طموحة: تأهيل 500 كيلومتر من الطرق القروية، و170 كيلومتراً من المحاور الطرقية الرئيسية، وتكوين 5000 شاب، وتحفيز 30 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة، وهي مؤشرات يفترض أن تنعكس على أرض الواقع، لا أن تبقى حبيسة التقارير.
الشمال الشرقي، كما تقدمه وثائق المشروع، يشمل مجالاً جغرافياً واسعاً يضم وجدة-أنكاد، الناظور، بركان، الدريوش، تاوريرت، فكيك، جرادة، كرسيف، الحسيمة، تازة وتاونات.
وهو مجال غني بموقعه وإمكاناته وارتباطه بالمتوسط والجالية، لكنه يواجه تحديات مزمنة تتعلق بضعف الربط، ومحدودية فرص الشغل، وهشاشة النسيج المقاولاتي، واتساع الاقتصاد غير المهيكل.
وعليه، لا يمكن اختزال المشروع في قيمة التمويل فقط. فالطريق في المناطق المهمشة ليست مجرد بنية تحتية، بل وسيلة للولوج إلى الأسواق والخدمات والاستثمار.
كما أن التكوين لا يكتسب قيمته إلا إذا تُرجم إلى إدماج فعلي في سوق الشغل.
أما الاستثمار الخاص، فلا يتحقق بالإعلانات وحدها، بل يتطلب بنية تحتية ملائمة، ومساطر واضحة، ومناخاً اقتصادياً محفزاً.
في صلب هذا الرهان يبرز ميناء ناظور غرب المتوسط، غير أن الميناء، مهما بلغت أهميته، لا يمكنه تحقيق التنمية بمفرده.
فهو يحتاج إلى شبكة طرق تربطه بمحيطه، ومناطق أنشطة قادرة على استيعاب الفرص، ويد عاملة مؤهلة، ومقاولات محلية مندمجة في سلاسل القيمة. وبدون ذلك، قد يتحول المشروع إلى قطب اقتصادي معزول عن محيطه الاجتماعي.
تطرح وثيقة البنك الدولي، إذن، سؤال النتائج لا النوايا. كم كيلومتراً تم إنجازه فعلياً؟ ما حصيلة برامج التكوين؟ كم عدد الشباب الذين تم إدماجهم في سوق الشغل؟ ما حجم الاستثمارات الخاصة التي تم تحفيزها؟ وهل بدأت الأقاليم المعنية في جني أثر ملموس لهذا التمويل؟
هذه التساؤلات لا تعكس تشكيكاً في المشروع، بل تعبيراً عن الحرص على تحقيق أهدافه.
فالقروض الدولية لا تُقاس بقيمتها المالية فقط، بل بقدرتها على تحسين واقع المواطنين.
والمواطن في الدريوش أو جرادة أو كرسيف أو فكيك لا يعنيه مضمون التقارير بقدر ما يعنيه تحسن الطرق، وتوفر فرص الشغل، واقتراب المشاريع الكبرى من حياته اليومية.
لقد راكم المغرب تجربة مهمة في تعبئة التمويلات وإطلاق المشاريع الكبرى، لكنه يواجه اليوم تحدياً أكثر دقة يتمثل في تحويل التمويل إلى أثر ملموس.
فالتنمية لا تتحقق بالأرقام وحدها، ولا تكفي فيها لغة المشاريع المهيكلة إذا لم تنعكس نتائجها على المجال والإنسان.
250 مليون دولار ليست مجرد قرض، بل اختبار حقيقي لقدرة السياسات العمومية على تحويل التمويل الدولي إلى عدالة مجالية ملموسة.
ومن خلال وثيقته الجديدة، لا يكتفي البنك الدولي بتتبع مشروع قائم، بل يطرح سؤالاً أعمق: هل تتحول القروض الكبرى إلى نتائج يشعر بها المواطن، أم تبقى التنمية رهينة الفجوة بين قوة الإعلان وبطء الأثر؟
