بقلم: الباز عبدالإله
نقل حزب «فوكس» الإسباني أزمة سبتة المحتلة إلى مستوى جديد من التصعيد السياسي والقانوني، بعدما أعلن، اليوم السبت 8 غشت 2026، عزمه الدفع نحو تفعيل المادة 102 من الدستور الإسباني، لبحث المسؤولية الجنائية المحتملة لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز وأعضاء حكومته، على خلفية تدبير الأزمة التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز الماضي.
وأعلن زعيم الحزب، سانتياغو أباسكال، أن «فوكس» يعتبر أن هناك، وفق تقديره، مؤشرات تستدعي تفعيل المسطرة الدستورية المتعلقة باحتمال ارتكاب جرائم «الخيانة» أو جرائم ضد أمن الدولة، وهي اتهامات سياسية لم يصدر بشأنها، إلى حدود اليوم، أي حكم أو قرار قضائي يثبتها.
وقال أباسكال، في رسالة نشرها على منصة «إكس»، إن ما وصفه بـ«خيانة بيدرو سانشيز للإسبان يجب أن تصل إلى المحاكم»، معتبراً أن هناك ما يكفي، بحسب موقفه، للتحرك بموجب المادة 102، ومن بين العناصر التي استند إليها أن الحكومة الإسبانية كانت تتوفر، بحسب ادعاء الحزب، على معرفة مسبقة بما كان سيقع في سبتة المحتلة.
غير أن الجزء الأكثر ارتباطاً بالمغرب في تحرك الحزب يتعلق بالمطالبة بالكشف عن الاتصالات التي جرت بين مدريد والرباط في محيط الأزمة، إذ دعا «فوكس» إلى رفع السرية فوراً عن المعلومات ذات الصلة بهذه الاتصالات وتقديمها إلى مجلس النواب الإسباني، بما يشمل ما جرى بين الحكومة الإسبانية والسلطات المغربية قبل أحداث سبتة وأثناءها وبعدها.
ولم يحصر الحزب مطلبه في الاتصالات الحكومية، بل دعا كذلك إلى وضع الوثائق والتقارير التي أعدتها أجهزة الاستخبارات والهيئات المدنية والعسكرية المكلفة بالأمن القومي رهن إشارة البرلمان، بما يفتح سياسياً ملف ما كانت تعرفه مؤسسات الدولة الإسبانية قبل اندلاع الأزمة، وما إذا كانت قد توصلت بمعلومات أو تحذيرات بشأن ما كان يجري على الحدود.
وقال الحزب إن الإسبان، بحسب موقفه، لهم الحق في معرفة ما جرى في قضية يعتبر أنها تمس «السلامة الترابية والأمن القومي والسيطرة الفعلية على حدود الدولة»، فيما ذهب إلى وصف ما شهدته سبتة بأنه ليس «ظاهرة هجرة تقليدية»، وإنما «حلقة من الحرب الهجينة ضد إسبانيا»، وهو توصيف حزبي وسياسي لا يمثل نتيجة تحقيق قضائي أو تقييماً رسمياً متوافقاً عليه داخل المؤسسات الإسبانية.
ويستند التحرك الذي أعلن عنه «فوكس» إلى المادة 102 من الدستور الإسباني، وهي مادة تنظم المسؤولية الجنائية لرئيس الحكومة وبقية أعضائها، وتنص على أن مساءلتهم جنائياً، عند الاقتضاء، تتم أمام الغرفة الجنائية بالمحكمة العليا.
أما إذا تعلق الاتهام بالخيانة أو بجريمة ضد أمن الدولة ارتكبت أثناء ممارسة المهام الحكومية، فلا يمكن إطلاق المسطرة إلا بمبادرة من ربع أعضاء مجلس النواب، أي ما لا يقل عن 88 نائباً، وبموافقة الأغلبية المطلقة للغرفة.
وهذا الشرط يجعل إعلان «فوكس» بداية لتحرك سياسي وبرلماني وليس إعلاناً عن فتح تحقيق قضائي ضد سانشيز، إذ لا يتوفر الحزب بمفرده على العدد البرلماني اللازم لإطلاق المسطرة.
ولهذا أعلن الحزب وضع نوابه رهن إشارة القوى البرلمانية المستعدة للمشاركة في المبادرة، داعياً باقي الأحزاب إلى توفير العدد الضروري لبدء المسطرة الدستورية، قبل المرور إلى المراحل التي يمكن أن تترتب عنها مساءلة أمام المحكمة العليا إذا توفرت الشروط القانونية لذلك.
ويضيف مطلب الكشف عن الاتصالات بين مدريد والرباط بعداً جديداً إلى الأزمة السياسية داخل إسبانيا، بعدما انصب جزء كبير من النقاش خلال الأيام الماضية على المسؤولية الأمنية والاستخباراتية وطريقة تدبير موجة العبور نحو سبتة المحتلة.
ويضع تحرك «فوكس» الآن أمام البرلمان سؤالاً إضافياً يتعلق بمضمون الاتصالات التي جرت بين الحكومة الإسبانية والسلطات المغربية قبل الأحداث وأثناءها وبعدها، وبالمعلومات التي كانت متوفرة لدى المؤسسات الإسبانية بشأن ما كان يجري على الجانب الآخر من الحدود.
وبذلك، لم يعد ضغط الحزب منصباً فقط على معرفة من أخفق داخل المؤسسات الإسبانية أو ما الذي كانت تعرفه أجهزة الدولة قبل الأزمة، بل امتد إلى المطالبة بالكشف عن الوثائق والمعلومات المرتبطة بالتواصل مع السلطات المغربية وتقارير أجهزة الاستخبارات والأمن القومي.
ويبقى انتقال هذا التصعيد من المجال السياسي إلى مسار قضائي فعلي مرتبطاً أولاً بقدرة «فوكس» على جمع الدعم البرلماني الذي يشترطه الدستور، فيما تظل أوصاف «الخيانة» و«الحرب الهجينة» وادعاء وجود معرفة مسبقة لدى حكومة سانشيز مواقف واتهامات صادرة عن الحزب، إلى أن تقول المؤسسات المختصة كلمتها بشأنها.
