أعاد البلاغ المنشور على الصفحة الرسمية للفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، بخصوص مبادرة تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية المواشي، فتح واحد من أكثر الملفات إحراجاً للأغلبية الحكومية، ليس فقط بسبب مضمون البلاغ، بل بسبب طبيعة الحجج التي قدمها لتبرير عدم الانخراط في المبادرة.
فالبلاغ، الذي حاول أن يقدم موقفه بلغة مؤسساتية هادئة، لم يجب في العمق عن السؤال الذي ظل يرافق هذا الملف منذ بدايته: من استفاد من الدعم؟ وبأي شروط؟ ولماذا لم ينعكس هذا الدعم بشكل واضح على الأسعار وعلى جيب المواطن؟
اختار الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار أن يجعل من عامل الزمن مدخلاً أساسياً لتبرير موقفه، معتبراً أن قرب نهاية الولاية التشريعية الحالية يجعل الآجال الدستورية والإجرائية غير كافية لإحداث لجنة لتقصي الحقائق ومباشرة مهامها. غير أن هذه الحجة، بدل أن تغلق النقاش، فتحته من زاوية أكثر إحراجاً، لأن السؤال لم يعد محصوراً في ما إذا كان الوقت كافياً اليوم، بل في من يتحمل مسؤولية ضياع الوقت منذ بداية هذا الملف.
فالبلاغ نفسه يعترف بأن المبادرة سبق أن طُرحت في مرحلة سابقة ولم تستوف النصاب القانوني المطلوب، كما يعترف بأن فرق الأغلبية اقترحت لاحقاً تشكيل لجنة استطلاعية، قبل أن يتعذر استكمال هذا المسار بدوره.
وهكذا وجد الرأي العام نفسه أمام مسار كامل من التعثر؛ مرة لا يكتمل النصاب، ومرة تُطرح لجنة استطلاعية، ومرة يتعذر استكمالها، وحين يعود مطلب لجنة تقصي الحقائق يصبح الوقت غير مناسب.
هذا المنطق يجعل الإشكال أعمق من مجرد ضيق زمني في نهاية الولاية التشريعية. فحين يتعلق الأمر بصرف الدعم العمومي، تكون القرارات والمبررات والسرعة حاضرة، وحين يتعلق الأمر بالمراقبة والمحاسبة، تظهر فجأة الآجال والإكراهات والتحذير من التوظيف السياسوي.
لقد كان الوقت كافياً لإقرار الدعم، وكافياً للدفاع عنه سياسياً وإعلامياً، وكافياً لكي يتحمل المواطن أسعاراً مرتفعة في سوق اللحوم، لكنه لم يعد كافياً، بحسب البلاغ، لمعرفة الحقيقة كاملة حول مسار هذا الدعم ونتائجه والمستفيدين منه.
الأكثر إثارة أن الفريق اعتبر أن ملف دعم المواشي، رغم أهميته وما يثيره من نقاش عمومي، لا يندرج ضمن الحالات الاستثنائية التي جرى العمل البرلماني على إخضاعها للجان تقصي الحقائق. وهذا التقدير يطرح سؤالاً سياسياً ثقيلاً: إذا لم يكن ملف دعم عمومي موجه لاستيراد المواشي، في سياق ارتفاع الأسعار وضغط واضح على القدرة الشرائية، ملفاً استثنائياً بما يكفي، فما هو الملف الاستثنائي إذن؟
هل يجب أن يتحول الدعم إلى فضيحة مكتملة الأركان حتى يستحق التقصي؟ أم أن جيب المواطن، في حسابات بعض الفرق البرلمانية، لا يكفي وحده لصناعة قضية وطنية كبرى تستوجب أعلى درجات الرقابة والشفافية؟
المواطن لا يطلب من البرلمان إصدار أحكام مسبقة، ولا يريد تحويل لجنة تقصي الحقائق إلى محكمة سياسية، ولا ينتظر استعمال الملف في مزايدات حزبية ضيقة.
ما يريده بسيط وواضح: كم صُرف من المال العمومي؟ من استفاد من الدعم؟ ما المعايير التي اعتُمدت؟ هل تحققت الأهداف المعلنة؟ لماذا بقيت الأسعار مرتفعة؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية إذا كان الدعم قد خرج باسم حماية القدرة الشرائية ولم يصل أثره إلى المواطن؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل جوهر وظيفة الرقابة البرلمانية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمال عمومي وقرارات حكومية اتخذت باسم المصلحة العامة.
غير أن البلاغ اختار، إلى جانب حجة الزمن، استحضار ميثاق الأغلبية والالتزام بالبرنامج الحكومي، مؤكداً أن تصويت الفريق على البرنامج الحكومي كان تعبيراً عن التزام سياسي مسؤول يقتضي مواصلة دعم تنزيل مضامينه والحفاظ على الانسجام المؤسساتي.
هذا الكلام قد يبدو مفهوماً من زاوية الانضباط داخل التحالف الحكومي، لكنه يصبح مقلقاً حين يوضع في مواجهة سؤال الرقابة على المال العام.
فالبرلماني، حتى حين ينتمي إلى الأغلبية، لا يفقد صفته كممثل للأمة، وميثاق الأغلبية لا يمكن أن يكون أقوى من حق المغاربة في معرفة الحقيقة، كما أن التصويت على البرنامج الحكومي لا يمنح شيكاً على بياض لأي قطاع أو قرار أو دعم عمومي.
الأغلبية ليست نادي حماية متبادلة، والبرلمان ليس ملحقة سياسية للحكومة، والاستقرار المؤسساتي لا يعني دفن الأسئلة أو تأجيلها إلى حين انتهاء الولاية.
الاستقرار الحقيقي تصنعه الشفافية، لا الصمت، وتكرسه الجرأة في مواجهة الملفات المحرجة، لا الاحتماء بالمذكرات والمواثيق والآجال.
ولو كان ملف الدعم سليماً في كل تفاصيله، لكانت لجنة تقصي الحقائق فرصة للأغلبية قبل المعارضة، لأنها كانت ستسمح بتقديم الأرقام والمعايير وتوضيح المسار وإغلاق باب الشك أمام الرأي العام. أما رفض المبادرة باسم ضيق الوقت، ثم باسم غياب الطابع الاستثنائي، ثم باسم ميثاق الأغلبية، فيجعل البلاغ يبدو وكأنه يدافع عن عدم فتح الملف أكثر مما يدافع عن الحقيقة.
بهذا المعنى، لم ينه بلاغ الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار الجدل حول دعم المواشي، بل أعاد إشعاله من جديد. فالبلاغ لم يقدم جواباً عن السؤال المركزي، ولم يبدد الشكوك المرتبطة بأثر الدعم على الأسعار، ولم يلتزم بكشف مفصل للمعطيات أمام المواطنين، بل اكتفى بتبرير عدم الانخراط في لجنة تقصي الحقائق، مع الاحتفاظ، كما يقول، بحق الفريق في ممارسة أدواره الرقابية عبر الآليات التي يتيحها الدستور والنظام الداخلي.
لكن الرأي العام لا ينتظر عبارات عامة حول الأدوار الرقابية، بل ينتظر مبادرة واضحة تكشف أين ذهب الدعم، ومن استفاد منه، ولماذا لم تظهر نتائجه في السوق. لقد تلقى المواطن رسالة البلاغ بطريقة مختلفة عن اللغة التي كُتب بها؛ فهم أن الوقت كان مناسباً لصرف الدعم، لكنه لم يعد مناسباً لتقصي الحقيقة.
وفهم أن الانسجام داخل الأغلبية أهم من فتح ملف قد يحرج الحكومة، وأن البرلمان يستطيع الحديث طويلاً عن الرقابة، لكنه يتردد حين تقترب الرقابة من منطقة المال العمومي والمستفيدين منه.
لذلك، صار السؤال اليوم أكبر من مجرد لجنة قد تُشكل أو لا تُشكل. السؤال الحقيقي هو: هل ما زال البرلمان قادراً على مراقبة المال العام حين تقترب الرقابة من دوائر الأغلبية؟ وهل ميثاق التحالف الحكومي أقوى من حق المغاربة في معرفة الحقيقة؟
هذا هو جوهر الأزمة. ليست الأزمة في بلاغ منشور على فيسبوك، ولا في مبادرة برلمانية قد تنجح أو تفشل، بل في شعور يتسع لدى المواطنين بأن المال العام حين يخرج باسمهم لا يعود إليهم لا في الأسعار ولا في الأجوبة.
وحين يصبح ضيق الوقت حجة لعدم التقصي، يصبح من حق المواطن أن يسأل: من ضيع الوقت؟ ومن يخاف من الحقيقة؟
