بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد نص تشريعي يثير خلافاً مهنياً بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب.
فقد تحول، بعد التصريحات الأخيرة لعبد اللطيف وهبي داخل مجلس المستشارين، إلى مواجهة مفتوحة حول معنى التشاور، وحدود الالتزام السياسي، ومكانة المحامي داخل منظومة العدالة.
فالعبارة التي اختارها وزير العدل، وهو يرد على حديث المحامين عن تراجع رئيس الحكومة عن التزامات سابقة تجاه ممثلي المهنة، لم تكن عادية في سياقها ولا خفيفة في وقعها.
حين يقول وزير العدل: “من أنتم حتى يلتزم معكم رئيس الحكومة؟”، فإن الأمر لا يتعلق فقط برد قانوني على مفهوم الالتزام، بل بلغة تحمل قدراً واضحاً من التبخيس، وتُقرأ سياسياً كتحقير رمزي لهيئة مهنية يفترض أنها شريك أساسي في ورش العدالة.
من حق وهبي أن يقول إن الالتزام، بالمعنى الدستوري والمؤسساتي، لا ينشأ بمجرد اجتماع أو جلسة تشاور.
ومن حقه أن يدافع عن اختصاص البرلمان، وأن يذكر بأن رئيس الحكومة لا يقرر وحده، وأن النصوص التشريعية لا تصاغ خارج المؤسسات.
غير أن ما ليس مفهوماً هو أن يتحول الدفاع عن المؤسسات إلى خطاب حاد يسأل المحامين: “من أنتم؟”، كما لو أن أصحاب البذلة السوداء طارئون على العدالة، أو مجرد جماعة ضغط تبحث عن امتياز مهني.
المحامون ليسوا فوق البرلمان، ولا فوق الحكومة، ولا فوق الدستور. لكنهم أيضاً ليسوا رقماً هامشياً في معادلة العدالة. فالمحامي جزء من ضمانات المحاكمة العادلة، وصوته ليس ترفاً مهنياً، بل امتداد لوظيفة الدفاع التي لا تستقيم العدالة بدونها. لذلك، فإن مخاطبة ممثلي المهنة بهذه النبرة تفتح سؤالاً أعمق من سؤال القانون نفسه: كيف تنظر وزارة العدل إلى مهنة الدفاع؟ هل تراها شريكاً ضرورياً في الإصلاح، أم خصماً ينبغي تطويقه كلما رفع صوته؟
اللافت أن الخلاف الحالي لا يبدأ من فراغ. فقد سبق لرئيس الحكومة عزيز أخنوش أن تدخل في عز الأزمة، واستقبل ممثلي جمعية هيئات المحامين، وجرى الحديث، حسب رواية الجمعية وما نقلته عدة منابر إعلامية، عن تشكيل لجنة مشتركة تحت إشراف رئاسة الحكومة لمناقشة مشروع القانون، وعن عدم إحالة النص على البرلمان قبل انتهاء عمل هذه اللجنة.
وبناء على هذا المسار، قررت الجمعية حينها تعليق التصعيد والعودة إلى تقديم الخدمات المهنية.
هنا تكمن العقدة السياسية، فالحكومة اليوم تحاول، على لسان وزير العدل، إعادة توصيف كل ما جرى باعتباره مجرد تشاور لا ينتج أي التزام.
أما المحامون فيعتبرون أن ما وقع لم يكن لقاء مجاملة، بل مساراً سياسياً ومؤسساتياً خلق انتظارات واضحة، خصوصاً بعدما تدخل رئيس الحكومة بنفسه، وتشكلت لجنة، وفُتح نقاش خارج منطق الشد والجذب الذي طبع علاقة الوزارة بالهيئات.
قد يكون وهبي محقاً من زاوية المسطرة حين يقول إن البرلمان هو الذي يقرر في النهاية.
غير أن السياسة ليست مسطرة وحدها. فحين يتدخل رئيس الحكومة لتهدئة أزمة مهنية، ويقترح آلية للحوار، ويترتب عن ذلك تعليق احتجاجات، فإن المسألة لا تبقى مجرد أخذ رأي.
هناك التزام سياسي وأخلاقي بالإنصات الجدي، وباحترام روح الحوار، وبشرح ما تم قبوله وما تم رفضه، لا الاكتفاء لاحقاً بالقول إن كل شيء كان مجرد تشاور بلا أثر ملزم.
ثم إن عبارة “من أنتم؟” جاءت لتزيد النار اشتعالاً. فهي تمنح الانطباع بأن الوزير لم يكن يرد فقط على موقف نقابي أو مهني، بل كان يعيد ترتيب المواقع من الأعلى إلى الأسفل.
الحكومة تتحدث من موقع القوة، والهيئات المهنية مطالبة بالاكتفاء بالاستماع. المؤسسات تقرر، والمحامون يُطلب منهم أن يقبلوا بما انتهى إليه المسار.
وهذا تصور مقلق، لأن قوة الحكومة لا تقاس بقدرتها على إسكات الفاعلين، بل بقدرتها على إدارة الخلاف معهم دون تبخيسهم.
كان بإمكان وزير العدل أن يقول إن رئيس الحكومة غير ملزم قانونياً بكل ما يعرض عليه في اجتماعات التشاور.
وكان بإمكانه أن يشرح أن البرلمان يملك الكلمة الأخيرة في تعديل النص أو المصادقة عليها، وكان بإمكانه أن يدافع عن اختياراته بلغة قانونية صارمة، لكنه، حين اختار عبارة “من أنتم؟”، نقل النقاش من القانون إلى الكرامة، ومن المسطرة إلى الرمزية، ومن إصلاح المهنة إلى سؤال الإهانة السياسية.
وهنا تكمن خطورة المسار كله، لأن المحامي حين يشعر بأن الوزارة الوصية لا تناقشه فقط، بل تبخس مكانته، لن يتعامل مع النص باعتباره مشروع إصلاح، بل باعتباره رسالة ضبط وتأديب. وحين يتحول القانون إلى شعور جماعي بالاستهداف، تفقد الحكومة جزءاً كبيراً من قدرتها على الإقناع، ولو امتلكت الأغلبية داخل البرلمان.
لا أحد يجادل في أن البرلمان هو المؤسسة الدستورية صاحبة الاختصاص في التشريع.
ولا أحد يمكنه أن يفرض على لجنة العدل والتشريع “خطوطاً حمراء” خارج الدستور.
لكن احترام البرلمان لا يعني أن كل نقد للنص هو عدوان على المؤسسة التشريعية.
كما أن دفاع المحامين عن استقلال مهنتهم لا يعني أنهم يريدون الحلول محل النواب والمستشارين.
الخلط بين النقد المهني والمساس بالمؤسسات لا يخدم النقاش العمومي، بل يضعفه.
أما وزير العدل، فمطالب بأن يدرك أن الإصلاح لا يربح فقط بالتصويت، بل يربح أيضاً بالثقة.
قد يستطيع تمرير النص داخل البرلمان، وقد يجد الأغلبية التي تسنده، وقد يقول إن المسطرة احترمت من أولها إلى آخرها.
لكن القانون الذي يولد وسط هذا القدر من الاحتقان، ووسط هذا الإحساس بالإهانة، سيبقى محملاً بسؤال الشرعية المهنية، حتى وإن استوفى شروط الشرعية الدستورية.
الحكومة القوية لا تسأل المحامين “من أنتم؟” الحكومة القوية تعرف من هم، وتختلف معهم، وتواجههم بالحجة، وتلزمهم بالدستور، لكنها لا تخاطبهم بمنطق التبخيس.
لأن المحامي، في النهاية، ليس خصماً للحكومة حين يدافع عن استقلال مهنته، بل جزء من الضمانات التي تمنح العدالة معناها.
قانون المحاماة أكبر من وهبي، وأكبر من جمعية الهيئات، وأكبر من جملة قيلت في لحظة توتر داخل البرلمان.
إنه قانون يمس قلب العدالة، ولذلك فإن تمريره بمنطق الغلبة، أو الدفاع عنه بلغة جارحة، قد يربح معركة التصويت، لكنه يخسر معركة الثقة.
وإذا كانت الحكومة تعتبر أن لا التزام لها إلا بالبرنامج الحكومي، فإن عليها أن تتذكر أن العدالة لا تبنى بالبرامج وحدها.
العدالة تبنى أيضاً باحترام شركائها، وبصون كرامة الدفاع، وبالإنصات لمن يقف يومياً في قاعات المحاكم دفاعاً عن حقوق المواطن.
أما حين يصبح السؤال الموجه للمحامين هو “من أنتم؟”، فإن الجواب الحقيقي لن يأتي من جمعية الهيئات وحدها، بل من كل مواطن يعرف أن حقه في الدفاع يبدأ من احترام من يدافع عنه.
