بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن إعلان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، العودة إلى الساعة القانونية للمملكة، توقيت غرينيتش، ابتداء من نهاية صيف 2026، مجرد خبر إداري مرتبط بتدبير الزمن الرسمي، بل تحول سريعاً إلى مادة سياسية أثارت نقاشاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما قرأه عدد من المتفاعلين في ضوء سياق حساس، تطبعه نهاية الولاية التشريعية، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وتراكم ملفات اجتماعية واقتصادية ما تزال تبحث عن أجوبة واضحة أمام الرأي العام.
الإعلان، في ظاهره، يستجيب لمطلب اجتماعي قديم، فالساعة الإضافية ظلت، منذ اعتمادها بشكل شبه دائم، واحدة من أكثر القرارات إثارة للجدل داخل الأسر والمؤسسات التعليمية وفضاءات العمل، بسبب تأثيرها على إيقاع الحياة اليومية، خصوصاً خلال فصل الشتاء، حين تتزامن مواعيد الدراسة والعمل مع ساعات صباحية مظلمة وصعبة بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنين.
غير أن قوة النقاش لم تأت من مضمون القرار وحده، بل من توقيته السياسي أيضاً، فالحكومة توجد في مرحلة متقدمة من ولايتها، والبلاد تقترب تدريجياً من أجواء انتخابية تجعل كل قرار اجتماعي قابلاً لتأويلات متعددة، خصوصاً حين يصدر في لحظة تعرف تصاعد الأسئلة حول القدرة الشرائية، وأسعار المحروقات، وكلفة اللحوم، وملف الدعم الموجه لقطاع المواشي.
من هنا، لم يتعامل جزء من الرأي العام الرقمي مع العودة إلى غرينيتش باعتبارها مجرد تصحيح لتوقيت أزعج المغاربة لسنوات، بل رأى فيها خطوة سياسية جاءت في وقت بالغ الحساسية، قد تمنح الحكومة هامشاً تواصلياً جديداً، وتخفف جزءاً من الضغط الشعبي، لكنها في الوقت نفسه أعادت طرح سؤال أكبر حول ترتيب الأولويات الحكومية.
ففي الأيام الأخيرة، لم يكن النقاش العمومي منصباً على الساعة وحدها، بل كان مشدوداً إلى ملفات أثقل، من بينها تسقيف أسعار المحروقات، ومستقبل “لاسامير”، ولجنة تقصي الحقائق المرتبطة بالدعم الموجه للمواشي، وهي ملفات تحولت إلى عناوين بارزة في سؤال الشفافية والمحاسبة، ومدى انعكاس السياسات العمومية على الأسعار التي يؤديها المواطن من جيبه.
لهذا برز سؤال حاد على مواقع التواصل الاجتماعي، هل جاءت عودة غرينيتش كبداية إنصات حكومي حقيقي للمطالب الشعبية، أم كقرار اجتماعي محسوب في توقيت حساس، قد يزاحم النقاش حول ملفات أكثر إحراجاً، وفي مقدمتها ملف لجنة تقصي الحقائق والدعم العمومي الموجه للمواشي؟
هذا السؤال لا يعني رفض العودة إلى الساعة القانونية، ولا يقلل من أهمية القرار بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنين، لكنه يعكس أزمة ثقة أعمق، فعدد من المغاربة رحبوا بالخطوة من حيث المبدأ، غير أنهم تساءلوا في الوقت نفسه عن سبب سرعة التفاعل في ملف التوقيت، مقابل بطء أو حذر واضحين في ملفات تمس القدرة الشرائية بشكل مباشر.
هنا بالضبط تحولت الساعة من إجراء إداري إلى ورقة سياسية، فالقرار الذي كان يمكن أن يمر كاستجابة اجتماعية عادية، وجد نفسه محاطاً بأسئلة المرحلة، لماذا الآن، ولماذا قرب نهاية الولاية، وهل يكفي إعلان شعبي في ملف قليل الكلفة السياسية لتخفيف غضب الشارع من ملفات أكبر، وهل يمكن فصل التوقيت عن سياق انتخابي بدأت ملامحه تقترب، وعن ملفات رقابية وبرلمانية تضع الحكومة تحت ضغط السؤال العمومي؟
لقد بدا النقاش الرقمي كأنه يوجه رسالة واضحة إلى الحكومة، من الجيد الإنصات إلى المواطنين في ملف الساعة، لكن الإنصات نفسه مطلوب في ملفات الأسعار، ومن المهم تصحيح قرار زمني أثقل حياة الأسر، لكن الأهم هو تقديم أجوبة مقنعة حول الدعم العمومي، ولجنة تقصي الحقائق، وتسقيف المحروقات، ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالساعة الإضافية كانت ملفاً مزعجاً، لكنها ليست الملف الأكثر كلفة على المواطن، فالمواطن الذي يستقبل قرار العودة إلى توقيت غرينيتش بارتياح، هو نفسه الذي يقف أمام محطة الوقود، ويدفع ثمن اللحم، ويراقب أسعار المواد الأساسية، ويسأل عن نتائج السياسات الحكومية في حماية قدرته الشرائية.
لذلك لم تكن الضجة ضد القرار في مضمونه، بل حول دلالته السياسية وتوقيته، فقد رأى فيه البعض مؤشراً على قدرة الحكومة على التفاعل حين يتعلق الأمر بملفات أقل تعقيداً، بينما تبقى الملفات الثقيلة، المرتبطة بالأسعار والدعم والمحاسبة، محكومة بإيقاع أبطأ وتبريرات أكثر تحفظاً.
وتكمن حساسية هذه اللحظة في أن القرارات الحكومية لم تعد تُقرأ بمعزل عن تراكماتها السابقة، فالرأي العام لا يتعامل مع كل إعلان باعتباره واقعة منفصلة، بل يضعه داخل ذاكرة مثقلة بالغلاء، والوعود المؤجلة، والملفات التي لم تُقدَّم بشأنها أجوبة كافية، وحين تضعف الثقة، يتحول حتى القرار الإيجابي إلى مناسبة للمساءلة.
قد تمنح العودة إلى الساعة القانونية الحكومة نقطة تواصلية مهمة في ملف اجتماعي ظل مفتوحاً لسنوات، وقد تخفف جزءاً من الاحتقان المرتبط بإيقاع الحياة اليومية، غير أن هذا القرار، وحده، لن يكون كافياً لإقناع الشارع بأن مرحلة جديدة بدأت فعلاً، ما لم ترافقه إشارات أوضح في الملفات التي تمس القدرة الشرائية، وشفافية الدعم العمومي، ومسؤولية الفاعلين في تدبير القرارات الاقتصادية والاجتماعية.
فالعودة إلى غرينيتش قد تنهي جدلاً زمنياً عمره سنوات، لكنها لا تنهي السؤال السياسي الأكبر، هل نحن أمام بداية مراجعة حكومية حقيقية لمنهجية الإنصات واتخاذ القرار، أم أمام خطوة محسوبة في توقيت حساس، قرب نهاية الولاية التشريعية، بينما تبقى ساعة المحاسبة، وساعة الأسعار، وساعة كشف الحقيقة في ملف الدعم العمومي، مؤجلة إلى توقيت غير معلوم؟
