لم يكن تدخل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، اليوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، خلال جلسة المساءلة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة حول موضوع الأمن الغذائي، مجرد دفاع عن حصيلة حكومية في مواجهة الجفاف وارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية، بل بدا محاولة سياسية واضحة لإعادة تأطير النقاش، ونقله من سؤال اجتماعي مباشر يرتبط بقفة المغاربة إلى مستوى أوسع عنوانه الدفاع عن المؤسسات ورفض ما وصفه بـ“المزايدات السياسية الضيقة”.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن أجوبة دقيقة حول أسعار اللحوم والخضر والفواكه، وكلفة الأعلاف، ووضعية الفلاح الصغير والمتوسط، اختار رئيس الحكومة أن يرفع سقف الخطاب، معتبراً أن تحميل المؤسسات الوطنية مسؤولية هذه التحديات، أو تصوير المغرب كبلد يفتقر إلى المؤسسات، يمثل تضليلاً للرأي العام ومساساً بالثوابت الوطنية.
هذا الانتقال في اللغة لا يبدو تفصيلاً عابراً داخل النقاش العمومي.
فعندما يقترب الحديث عن الغلاء والجفاف والأمن الغذائي من قاموس “المساس بالثوابت”، يصبح السؤال مشروعاً حول الحدود الفاصلة بين انتقاد السياسات العمومية واستهداف المؤسسات، خصوصاً أن المساءلة لا تفقد قيمتها إلا حين تتحول إلى شبهة، بدل أن تبقى ممارسة سياسية ودستورية طبيعية داخل دولة المؤسسات.
لا يمكن إنكار أن المغرب واجه ظرفية صعبة بفعل توالي سنوات الجفاف، ولا يمكن التقليل من أثر التقلبات الدولية على أسعار الطاقة والمواد الغذائية وسلاسل الإمداد.
كما أن صمود الفلاحين، خاصة الصغار والمتوسطين، يستحق الاعتراف والتقدير. غير أن الاعتراف بصعوبة السياق لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء سياسي يعفي الحكومة من سؤال النجاعة، ولا إلى خطاب يطلب من المواطن الاطمئنان لمجرد أن المؤسسات حاضرة في اللغة الرسمية.
الأمن الغذائي لا يقاس فقط بوفرة المواد داخل الأسواق، بل يقاس أيضاً بقدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء دون استنزاف ميزانيتها.
ولا يكفي أن تبقى السلع متوفرة إذا كانت فئات واسعة من المواطنين تنظر إليها باعتبارها مواد أصبحت أثقل من قدرتها الشرائية.
لذلك، فإن خطاب الصمود، مهما بدا قوياً من الناحية السياسية، يبقى ناقصاً ما لم يتحول إلى أثر ملموس داخل جيب المواطن وعلى مائدة الأسر.
يدافع أخنوش عن مرونة المؤسسات ويقظة المنظومة الفلاحية، وهذا جزء من الصورة.
لكن الجزء الآخر يوجد في القرى التي يواجه فيها الفلاح ضغط ندرة المياه وارتفاع كلفة الأعلاف وتراكم الديون، وفي المدن التي يواجه فيها المستهلك موجات متتالية من الغلاء، وفي الأسواق التي لا يفهم فيها المواطن لماذا لا تنعكس بعض المؤشرات الرسمية على الأسعار اليومية التي يصطدم بها عند كل عملية شراء.
المفارقة أن رئيس الحكومة تحدث عن الاستثمار في الفلاح الصغير والمتوسط باعتباره استثماراً سيادياً مباشراً في الأمن الغذائي.
وهذه عبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحاحاً: هل يشعر هذا الفلاح فعلاً بأنه يوجد في قلب السياسة العمومية، أم أنه حاضر بقوة في الخطاب وغائب جزئياً في الأثر؟ وهل يصل الدعم في الوقت المناسب وبالقدر الكافي، أم أن جزءاً من الفئات المستهدفة يظل عالقاً بين المساطر والانتظار وكلفة الإنتاج.
حين تعتبر الحكومة أن الفلاح هو خط الدفاع الأول عن قوت المغاربة، فإن هذا الدفاع يحتاج بدوره إلى حماية فعلية.
فلا يمكن لفلاح مثقل بالجفاف وغلاء الأعلاف وصعوبات التسويق وتقلبات السوق أن يبقى وحده في الواجهة، ثم نطالبه في النهاية بحماية الأمن الغذائي الوطني.
فالأمن الغذائي ليس شعاراً سيادياً فقط، بل منظومة متكاملة تبدأ من الماء والبذور والدعم والتخزين والتوزيع، وتنتهي عند ثمن يستطيع المواطن أداءه دون قلق.
اللافت في خطاب أخنوش أنه وضع انتقاد الأداء الحكومي في مواجهة صورة المغرب ومؤسساته.
وهنا تكمن الحساسية السياسية في الموضوع. فالمؤسسات لا تضعف حين تُساءل، بل تضعف حين يتحول السؤال إلى تهمة. والدولة لا تحمي ثوابتها بإبعاد الملفات الاجتماعية عن دائرة النقد، بل بتقديم أجوبة دقيقة ومقنعة وقابلة للقياس.
المواطن لا يطلب من الحكومة أن تلغي الجفاف بقرار إداري، ولا أن تتحكم في أسعار العالم ببلاغ سياسي.
لكنه ينتظر منها أن تشرح بوضوح أين نجحت، وأين تعثرت، ومن استفاد من الدعم، ومن بقي خارجه، ولماذا تستمر بعض الأسعار في الضغط على القدرة الشرائية رغم كل خطابات الصمود والمرونة وتماسك المؤسسات.
لذلك، فإن جلسة الأمن الغذائي لم تكشف فقط عن دفاع حكومي عن الفلاحة والأسواق، بل كشفت أيضاً عن حساسية متزايدة تجاه النقد السياسي والاجتماعي.
وبين حكومة تتحدث عن مؤسسات صامدة، ومواطن يبحث عن قفة أقل التهاباً، تبقى الحقيقة واضحة: لا معنى لصمود المؤسسات إذا لم يشعر به المواطن في حياته اليومية، ولا قيمة لخطاب الأمن الغذائي إذا ظل عاجزاً عن طمأنة من يدخل السوق كل صباح ويخرج بأسئلة أكثر من المشتريات.
المغرب يحتاج إلى مؤسسات قوية، لكنه يحتاج أيضاً إلى مساءلة قوية.
فالأمن الغذائي لا تحميه البلاغات وحدها، ولا تهدده الأسئلة. الذي يهدده فعلاً هو أن يتحول الغلاء إلى قدر، والجفاف إلى شماعة، والفلاح الصغير إلى عنوان جميل في الخطاب، والمواطن إلى متلقٍّ مطلوب منه أن يثق قبل أن يرى الأثر.
