بقلم: الحيداوي عبد الفتاح
ليست أزمة الحركات الإسلامية اليوم كامنة فقط في تراجع حضورها السياسي أو ضعفها التنظيمي، وإنما في عجز جزء معتبر منها عن إدارة الاختلاف الداخلي والخارجي وفق منظومة أخلاقية ومؤسسية مستقرة.
فالنقاشات التي تدور بين الإسلاميين، سواء بين التيارات المختلفة أو داخل التيار الواحد، تكشف أن الحديث المتكرر عن فقه الاختلاف وشرعية التنوع ما يزال في كثير من الأحيان أقرب إلى خطاب مثالي منه إلى ممارسة يومية.
فالذي يتابع السجالات الدائرة في المغرب، أو في غيره من البلدان العربية، يلاحظ أن مساحة الحوار سرعان ما تتحول إلى تبادل للاتهامات، والتشكيك في النيات، والطعن في المناهج. وإذا كان الخطاب العلني يبدو أحيانا أكثر انضباطا، فإن ما يدور في اللقاءات الخاصة، أو في مجموعات التواصل المغلقة، يعكس في كثير من الأحيان لغة أكثر حدة، تقوم على التصنيف والإقصاء أكثر مما تقوم على الفهم والتقارب.
وهنا يبرز سؤال تأسيسي يسبق كل نقاش فكري أو سياسي: هل تمتلك الحركات الإسلامية أصلا تربية مؤسسية على إدارة الاختلاف؟
فالاختلاف ليس حدثا استثنائيا، بل هو سنة اجتماعية وشرعية. والقرآن الكريم لم يلغ وجود الاختلاف، وإنما وضع له منظومة أخلاقية متكاملة تقوم على العدل والإنصاف، وتحريم السخرية واللمز والغيبة، وإلزام الإنسان بأن يقول التي هي أحسن، حتى مع من يخالفه.
لكن الانتقال من النصوص إلى الواقع ظل محدودا، لأن كثيرا من التنظيمات أولت اهتماما كبيرا للتكوين العقدي والتنظيمي، بينما لم تمنح القدر نفسه للتربية على الحوار وآداب النقاش.
ومن اللافت أن معظم الحركات الإسلامية تمتلك مؤسسات للتربية، والدعوة، والتكوين، والعمل الاجتماعي، لكنها تفتقر إلى مؤسسات دائمة لإدارة الخلاف.
لا توجد مجالس مشتركة تجمع ممثلين عن مختلف التيارات لمناقشة القضايا الفكرية الكبرى. ولا توجد تقاليد راسخة للوساطة العلمية عند اشتداد النزاعات.
كما تغيب مراكز بحث مستقلة تكون مرجعا مشتركا لجميع الأطراف، بعيدا عن الحسابات التنظيمية.
وهكذا يبقى كل تيار داخل فضائه المغلق، يقرأ كتبه، ويستمع إلى شيوخه، ويتفاعل مع جمهوره، دون احتكاك معرفي حقيقي بالاخر. ومع مرور الوقت، تتحول الصور النمطية إلى حقائق مسلم بها داخل كل جماعة، فيصبح الحوار أصعب، لأن كل طرف يناقش صورة ذهنية عن خصمه، لا خصمه الحقيقي.
كثير من النقاشات الإسلامية تنطلق مباشرة إلى القضايا السياسية الكبرى: المشاركة في الانتخابات، العلاقة مع الدولة، الديمقراطية، العمل الحزبي، أو الموقف من الحاكم. لكن هذه النقاشات تغفل سؤالا أعمق: كيف يتربى العضو داخل الحركة على التعامل مع المخالف؟
فالعديد من المناهج التربوية تركز على ترسيخ الهوية والانتماء، وهو أمر مشروع، لكنها لا تمنح المساحة نفسها لتعليم مهارات الحوار، والإنصات، والنقد الذاتي، وفهم الرأي المخالف.
وعندما يغيب هذا التكوين، يصبح أي اختلاف تهديدا للهوية، لا فرصة لتطوير الفكر.
ولهذا نلاحظ أن كثيرا من الشباب الإسلامي يمتلك قدرة جيدة على عرض أفكار جماعته، لكنه يجد صعوبة في فهم منطلقات الاخرين أو تمثيل ارائهم بعدالة قبل نقدها.
تحتاج المجتمعات إلى شخصيات تحظى بثقة مختلف الأطراف، قادرة على لعب دور الوسيط عند احتدام الخلافات. غير أن هذا النموذج أصبح نادرا في المشهد الإسلامي المعاصر.
فالاستقطاب جعل كثيرا من العلماء والمفكرين يصنفون مبكرا ضمن هذا التيار أو ذاك، مما أفقدهم القدرة على القيام بدور الوساطة. وكلما حاولت شخصية مستقلة بناء جسور بين المختلفين، تعرضت أحيانا لانتقادات من جميع الأطراف، لأنها رفضت الانخراط في منطق الاستقطاب.
الخطأ في قراءة واقع الحركات الإسلامية هو اختزال أزمتها في الخلافات السياسية فقط. فالمشكلة الأعمق هي أن الثقافة التنظيمية نفسها لم تنجح دائما في تحويل الاختلاف إلى مصدر للإبداع.
فالمجتمعات المتقدمة لا تخلو من الخلافات، لكنها تبني مؤسسات لإدارتها. أما حين يصبح كل اختلاف مقدمة للقطيعة، فإن الخلاف يتحول إلى عامل استنزاف دائم.
ولهذا يبدو أن الحركات الإسلامية في المغرب، وفي غيره، مطالبة بالانتقال من مرحلة الدفاع عن صحة مواقفها إلى مرحلة مراجعة ثقافة الحوار داخلها. فهي تحتاج إلى بناء فضاءات مشتركة للنقاش، وتشجيع الدراسات المقارنة بين المدارس الإسلامية، وتدريب أعضائها على أخلاقيات النقد، وإعادة الاعتبار لفكرة أن المخالف ليس بالضرورة خصما.
ربما ان الأوان لأن تنتقل الحركات الإسلامية من سؤال: من من الحركات الاسلامية الافضل؟ إلى سؤال أكثر عمقا: من يمثل أخلاق الإسلام في إدارة الاختلاف؟
فالمجتمع اليوم لا ينتظر من الإسلاميين أن يثبتوا فقط صحة اجتهاداتهم، وإنما ينتظر منهم أن يقدموا نموذجا أخلاقيا في الحوار، لأن المشروع الإصلاحي يفقد كثيرا من مصداقيته عندما يعجز أصحابه عن إدارة خلافاتهم بالعدل والاحترام.
إن النهضة لا تبدأ من كثرة التنظيمات، ولا من تعدد الشعارات، بل من بناء ثقافة تعترف بأن الاختلاف سنة، وأن قيمة الفكرة لا تظهر عند الاتفاق، وإنما في الطريقة التي يدافع عنها أصحابها دون ظلم أو إقصاء أو تشويه للمخالف.
وعندما تنجح الحركات الإسلامية في تحويل الاختلاف من معركة هوية إلى مساحة للتكامل المعرفي، فإنها لن تخدم نفسها فقط، بل ستقدم للمجتمع نموذجا حضاريا يحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى.
