بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن تصويت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، اليوم الخميس 2 يوليوز 2026، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، مجرد محطة تقنية ضمن مسار تشريعي عادي.
فالنص الذي عبر اللجنة في إطار القراءة الثانية جاء محملاً بأكثر من سؤال: سؤال الإصلاح، وسؤال استقلال الدفاع، وسؤال حدود تدخل السلطة الحكومية في مهنة تشكل أحد أعمدة المحاكمة العادلة.
صادقت اللجنة بالأغلبية على المشروع بعد جلسة مطولة استمرت لأزيد من ست ساعات، وانتهت بتأييد 17 نائباً مقابل معارضة خمسة نواب، دون تسجيل أي امتناع.
غير أن هذا العبور البرلماني، رغم أهميته من حيث المسطرة، لا يلغي أن مشروع القانون ما زال يتحرك داخل مناخ متوتر، تتقاطع فيه ملاحظات مهنية حادة مع تنبيهات أممية رسمية، ومع نقاش سياسي يتجاوز حدود العلاقة بين وزارة العدل وهيئات المحامين.
منذ انطلاق الجدل حول مشروع القانون، حرص وزير العدل عبد اللطيف وهبي على تقديمه باعتباره جزءاً من ورش تحديث منظومة العدالة وتطوير المهن القانونية والقضائية، وهو التوصيف نفسه الذي استندت إليه وزارة العدل عند الإعلان عن مصادقة مجلس النواب عليه في القراءة الأولى، يوم 19 ماي 2026، بأغلبية 163 صوتاً مقابل 57 صوتاً معارضاً.
غير أن قوة الأرقام لا تكفي دائماً لحسم الأسئلة المرتبطة بالقوانين المنظمة للمهن ذات الطبيعة الدستورية والحقوقية، خاصة حين يتعلق الأمر بمهنة الدفاع.
الأهم أن مشروع القانون لم يصل إلى هذه المرحلة في فراغ. ففي 24 فبراير 2026، وجهت مارغريت ساترثويت، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، مراسلة رسمية إلى الحكومة المغربية تحت المرجع OL MAR 1/2026، بخصوص مشروع القانون رقم 66.23.
وأوضحت المراسلة أن بعض مقتضيات المشروع قد لا تكون منسجمة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان المرتبطة بدور مهنة المحاماة، مؤكدة أنها لا تقدم تحليلاً شاملاً للنص، بل تركز على مقتضيات محددة ومدى توافقها مع القانون والمعايير الدولية.
توقفت المراسلة الأممية عند نقاط دقيقة: الدور المركزي الممنوح للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل في التكوين والتأهيل والتقييم، تقليص صلاحيات هيئات المحامين وإخضاع بعض قراراتها لآليات مراقبة إدارية، تقليص حالات إلزامية المؤازرة بمحام، إمكان تفتيش مكاتب المحامين وما يثيره ذلك من أسئلة حول حماية السر المهني، ثم حضور النيابة العامة في المساطر التأديبية وما قد يترتب عنه من مساس بالتوازن بين المساءلة واستقلال المهنة. هذه ليست تفاصيل تقنية معزولة، بل عناصر تمس جوهر العلاقة بين الدولة والدفاع داخل منظومة العدالة.
وتزداد حساسية الملف حين نستحضر أن مراسلة أممية لاحقة، صادرة بتاريخ 31 مارس 2026 تحت المرجع AL MAR 2/2026، أشارت إلى مراسلة 24 فبراير التي حللت مشروع القانون ومدى مطابقته للمعايير الدولية، وسجلت عدم التوصل بجواب بشأنها.
بهذا المعنى، لم يكن النقاش محصوراً داخل البرلمان المغربي فقط، بل كان أيضاً موضوع انتباه أممي رسمي، في وقت واصل فيه النص مساره التشريعي من مجلس النواب إلى مجلس المستشارين، ثم عاد إلى الغرفة الأولى في قراءة ثانية.
استمرار المسار التشريعي رغم بقاء الملاحظات الأممية دون جواب منشور يضع مشروع القانون أمام سؤال سياسي وقانوني دقيق: كيف يمكن تمرير نص يهم مهنة الدفاع، بينما تظل تنبيهات مرتبطة باستقلال المحامين وضمانات المحاكمة العادلة معلقة في سجل الإجراءات الخاصة؟
داخل لجنة العدل، لم تكن المواد المصادق عليها مجرد تعديلات شكلية.
فقد تم رفض تعديل مجلس المستشارين القاضي برفع السن الأقصى لولوج مهنة المحاماة إلى 50 سنة، والعودة إلى سقف 45 سنة كما اعتمده مجلس النواب في القراءة الأولى.
ويبدو هذا المقتضى، في ظاهره، مرتبطاً بشرط عمري، لكنه في العمق يعكس تصوراً محدداً لمنطق الولوج إلى المهنة، بين من يعتبره ضبطاً ضرورياً للسوق المهنية، ومن يخشى أن يتحول إلى تضييق غير مباشر على حق الولوج وفق معايير موضوعية وواضحة.
كما وافقت اللجنة على تعديل المادة 13، بما يسمح لكتاب الضبط بولوج مهنة المحاماة، مع إخضاعهم لـ“اختبار تقييم” بدل “امتحان الولوج”، وهي الصيغة التي تمسك بها وزير العدل.
وهنا لا تقف الإشكالية عند اختيار المصطلح، بل تمتد إلى سؤال المساواة بين المرشحين.
فحين تختلف بوابة الولوج بحسب المسار المهني السابق، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الانتماء السابق للإدارة القضائية يمنح أفضلية داخل مهنة يفترض أن تقوم على الاستقلال عن منطق الإدارة.
ومن بين النقاط التي أثارت نقاشاً حاداً أيضاً، المادة المرتبطة بإخضاع حسابات ودائع هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
وقد دافع وزير العدل عن هذا التوجه باعتباره مرتبطاً بحماية أموال المتقاضين لا المساس بأموال الهيئات، بينما اعتبر معارضوه أنه يفتح نقاشاً دستورياً ومهنياً حول حدود الرقابة المالية على مؤسسات مهنية مستقلة.
وهنا تظهر معادلة دقيقة: لا أحد يمكنه الاعتراض مبدئياً على الشفافية، لكن الشفافية نفسها تحتاج إلى هندسة قانونية لا تحول الرقابة إلى مدخل لإضعاف الاستقلال.
أما إعادة توزيع التمثيلية داخل مجالس الهيئات، فقد جاءت وفق صيغة تقسم انتخاب الأعضاء إلى ثلاث فئات: 40 في المائة للمحامين المسجلين منذ أكثر من 20 سنة، و50 في المائة لمن تتراوح أقدميتهم بين 10 و20 سنة، و10 في المائة لمن تتراوح أقدميتهم بين 5 و10 سنوات.
ورغم الطابع التقني لهذا المقتضى، فإنه يمس توازن القرار داخل الهيئات، ويعيد ترتيب العلاقة بين الأجيال المهنية، وبين من راكموا التجربة والنفوذ ومن يسعون إلى موقع أوسع داخل مؤسسات التمثيل.
كما صادقت اللجنة على المادة 123 بصيغتها المعدلة، محددة عدد أعضاء مجالس الهيئات بحسب عدد المحامين المسجلين في كل هيئة: 10 أعضاء إذا كان العدد بين 100 و800 محام، و20 عضواً إذا تراوح بين 801 و2000 محام، و30 عضواً إذا تجاوز 2001 محام.
وكان مجلس المستشارين قد تدارس المشروع عبر سلسلة اجتماعات خلال ماي ويونيو 2026، وتقدمت مكوناته بـ266 تعديلاً، انتهت إلى إدخال 48 تعديلاً في إطار 35 مادة، قبل المصادقة عليه بالأغلبية في جلسة 23 يونيو 2026.
غير أن المسار البرلماني، مهما بلغ من تقدم، لا يحسم وحده أزمة الثقة. فجمعية هيئات المحامين بالمغرب رفعت منسوب التعبئة ولوحت بأشكال تصعيدية غير مسبوقة، معتبرة أن بعض المقتضيات تمس باستقلال المحاماة أو تنتقص من ضماناتها. وهذه ليست مجرد ممانعة نقابية في مواجهة نص تنظيمي، بل مؤشر على أن القانون الذي يفترض أن ينظم المهنة لم ينجح بعد في إنتاج الحد الأدنى من القبول المهني حول فلسفته العامة.
المفارقة أن الدولة، وهي تعلن تحديث العدالة، تجد نفسها أمام اختبار دقيق: كيف تنظم مهنة الدفاع دون أن يبدو التنظيم وصاية؟ وكيف تعزز الشفافية دون أن تضعف الاستقلال؟ وكيف توسع الرقابة دون أن تخلق شعوراً بأن المحامي لم يعد فاعلاً مستقلاً داخل العدالة، بل مرفقاً ملحقاً بمنظومة إدارية أوسع؟
قد يكون وزير العدل قد ربح جولة مهمة داخل البرلمان، وقد تكون الأغلبية قد وفرت الغطاء العددي لمرور المشروع، لكن القوانين المنظمة للمهن الحساسة لا تستمد قوتها من التصويت وحده.
تستمدها أيضاً من قدرتها على بناء الثقة، ومن احترامها للمعايير الدولية، ومن اقتناع المعنيين بها بأن الإصلاح لا يستهدف موقعهم، بل يقوي دورهم داخل العدالة.
لذلك، لا يبدو أن مشروع القانون رقم 66.23 خرج من العاصفة بمجرد عبوره لجنة العدل.
لقد عبر محطة تشريعية، نعم، لكنه دخل في امتحان أوسع: امتحان الشرعية المهنية، وامتحان المطابقة الحقوقية، وامتحان قدرة الحكومة على إقناع الداخل والخارج بأن تنظيم مهنة المحاماة لا يعني إعادة ضبط استقلال الدفاع.
من الرباط إلى جنيف، ومن قاعة اللجنة إلى مجالس الهيئات، لم يعد قانون المحاماة نصاً مهنياً عادياً.
لقد أصبح مرآة لسؤال أكبر: هل يمكن إصلاح العدالة بقانون يثير قلق من يفترض أنهم أحد أعمدتها؟
