بقلم: الباز عبدالإله
وضعت منظمة الصحة العالمية المغرب ضمن التجارب الإقليمية البارزة في مجال السلامة الطرقية، بعدما اعتبرت أن المملكة طورت مقاربة أكثر اعتماداً على المعطيات في مراقبة السير، وأكثر استهدافاً لعوامل الخطر، مع تعزيز التنسيق بين المؤسسات والهيئات المعنية.
وجاء هذا التنويه في تحديث نشرته المنظمة، اليوم الخميس 2 يوليوز 2026، حول التقدم المسجل في مجال السلامة الطرقية داخل إقليم شرق المتوسط، في سياق دولي يروم خفض وفيات وإصابات حوادث السير الخطيرة بنسبة 50 في المائة في أفق سنة 2030.
وبخصوص المغرب، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن المملكة، التي استضافت سنة 2025 المؤتمر الوزاري العالمي الرابع حول السلامة الطرقية، عملت على تحويل مراقبة السير إلى عملية مبنية على البيانات، وموجهة بصورة أدق نحو السلوكيات الأكثر تسبباً في الحوادث.
وأوضحت المنظمة أن هذه الدينامية تتم بقيادة الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، من خلال إدماج عمليات المراقبة ضمن الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية، واستعمال معطيات الحوادث لتحديد أولويات التدخل، مع التركيز على عوامل خطر مثبتة، من بينها السرعة، والسياقة تحت تأثير الكحول، وعدم استعمال حزام السلامة، وعدم ارتداء خوذات الدراجات النارية.
كما سجلت المنظمة اعتماد أدوات وتكنولوجيات جديدة، إلى جانب تعزيز العمل المنسق بين السلطات والفاعلين الأساسيين في هذا المجال، معتبرة أن تجربة المغرب تبرز أهمية إدماج مراقبة السلامة الطرقية داخل استراتيجية وطنية واضحة، قائمة على أهداف قابلة للقياس والتتبع.
ويمنح هذا التنويه الدولي المغرب اعترافاً مهماً في ملف يرتبط مباشرة بحماية الأرواح، لكنه يضع في الوقت نفسه مسؤولية أكبر على عاتق المؤسسات المعنية، حتى لا تبقى السلامة الطرقية مجرد مؤشرات تقنية أو خطط قطاعية، بل تتحول إلى أثر ملموس يلمسه المواطن على الطرق.
فحوادث السير ما زالت تشكل إحدى القضايا المؤلمة في الحياة اليومية للمغاربة، بالنظر إلى كلفتها البشرية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن ثم، فإن الاعتراف الدولي بتطور آليات المراقبة ينبغي أن يواكبه نقاش وطني حول مدى انعكاس هذه السياسات على تراجع الحوادث، وتحسين سلوك مستعملي الطريق، وتأمين النقط السوداء، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الراجلون ومستعملو الدراجات النارية.
ولا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية ما سجلته منظمة الصحة العالمية، بل بوضعه في سياقه الصحيح.
فالإشادة الدولية تؤكد أن المغرب راكم تجربة مؤسساتية في تنظيم مراقبة السير، لكنها لا تعني أن معضلة حوادث الطرق قد حُسمت. فالنجاح الحقيقي في هذا المجال لا يقاس فقط بعدد الرادارات، أو حجم الغرامات، أو تطور الأنظمة المعلوماتية، بل يقاس أساساً بعدد الأرواح التي يتم إنقاذها، والحوادث التي يتم تفاديها، والثقة التي يشعر بها المواطن حين يستعمل الطريق.
وبين الاعتراف الدولي والانتظارات الداخلية، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل السلامة الطرقية إلى سياسة عمومية يومية، عادلة وفعالة، تقوم على الوقاية قبل الزجر، وعلى التربية قبل العقوبة، وعلى استعمال المعطيات من أجل حماية الحياة، لا فقط من أجل ضبط المخالفات.
لذلك، فإن تنويه منظمة الصحة العالمية بتجربة المغرب يمثل مكسباً مؤسساتياً مهماً، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤال الحصيلة الميدانية.
فالمعيار النهائي لأي استراتيجية في السلامة الطرقية لا يوجد في التقارير وحدها، بل في واقع الطرق، وفي عدد الضحايا، وفي قدرة الدولة والمجتمع معاً على جعل الطريق فضاء أكثر أمناً وانضباطاً وإنسانية.
