بقلم: الباز عبدالإله
حين يعلو التصفيق للإنجاز الرياضي، تعود أرقام المجلس الأعلى للحسابات لتختبر جرأة البرلمان في مراقبة المال العام.
لا أحد يجادل في أن المنتخب المغربي يستحق التصفيق، ولا أحد ينكر أن مساره في كأس العالم 2026 منح المغاربة لحظة من فخر الجماعي، وأعاد إلى الواجهة صورة بلد قادر على المنافسة، والانضباط، وصناعة الأمل.
غير أن الإشكال لا يبدأ من الملعب، بل من اللحظة التي ينتقل فيها التصفيق من المدرجات إلى قاعة برلمانية يفترض أنها وُجدت لمراقبة المال العام.
داخل لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة بمجلس النواب، لم يكن فوزي لقجع حاضراً بصفة رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فقط.
كان حاضراً أيضاً بصفة الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أي المسؤول الحكومي الموجود في قلب الأرقام الكبرى للدولة، وفي صلب قوانين المالية، والتحصيل، والدين، والحسابات الخصوصية، وتنفيذ الميزانية.
هنا يتوقف التصفيق العادي، ويبدأ السؤال السياسي.
فالبرلمان، حين يناقش قانون التصفية، لا يكون في لحظة احتفال. يكون أمام امتحان مؤسساتي دقيق: ماذا وقع فعلاً في تنفيذ الميزانية؟ أين صُرفت الاعتمادات؟ أين ظهرت الفوارق بين التوقع والإنجاز؟ ما الذي بقي غير واضح؟ وما الذي يستوجب المساءلة؟ لذلك يصبح مقلقاً أن تتحول جلسة يفترض أن تُسائل الأرقام إلى مساحة مجاملة واسعة لرجل يجمع بين وهج كرة القدم وسلطة الميزانية.
السؤال ليس شخصياً ضد فوزي لقجع بالعكس، الرجل يوجد في موقع قوة، والمسؤول القوي لا يجب أن يخشى الأسئلة القوية. لكن السؤال موجّه إلى البرلمان: هل يستطيع النواب أن يفصلوا بين لقجع رئيس الجامعة، الذي يُصفق له على إنجاز كروي، ولقجع الوزير، الذي يجب أن يُسائل عن ملفات مالية دقيقة وثقيلة؟ وهل يمكن للفرحة الرياضية أن تتحول، ولو من حيث لا يشعر أصحابها، إلى نوع من الحصانة السياسية الناعمة؟
المعطيات التي وضعها المجلس الأعلى للحسابات فوق الطاولة لا تسمح بالكثير من المجاملة.
ففي تقرير تنفيذ قانون المالية لسنة 2023، سجل المجلس أن جزءاً من نفقات الاستثمار يدرج داخل بنود لا تمكن من تحديد وجهتها ولا الهدف من صرفها، خصوصاً التحويلات التي تمر عبر فصل النفقات المشتركة للاستثمار نحو الحسابات الخصوصية للخزينة والمؤسسات والمقاولات العمومية.
وقد حُدد حجم هذه النفقات غير واضحة الوجهة في حوالي 21.6 مليار درهم.
هذا الرقم وحده كان كافياً ليحوّل النقاش البرلماني إلى مساءلة حادة.
فحين تقول مؤسسة الرقابة العليا إن مليارات من نفقات الاستثمار تمر عبر بنود لا تسمح بتحديد الوجهة والهدف، فإن الأمر لا يتعلق بتفصيل محاسباتي.
إنه يتعلق بسؤال جوهري: كيف تراقب المؤسسة التشريعية مالاً عاماً لا تظهر خرائطه كاملة أمام الرأي العام؟ وكيف يمكن التصويت على قوانين التصفية دون تفكيك هذه المناطق الرمادية داخل الميزانية؟
لكن الرقم الأكثر حساسية جاء في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، حيث وجدت إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، نفسها أمام معطى ثقيل.
فقد كشف المجلس أن الديون الجمركية غير القابلة للتحصيل ارتفعت من 115 مليار درهم سنة 2020 إلى 202 مليار درهم عند نهاية سنة 2024.
نحن هنا لا نتحدث عن هامش مالي صغير، ولا عن تأخر إداري محدود.
نحن أمام رقم يتجاوز ميزانيات قطاعات اجتماعية كاملة، ويتعلق بديون يفترض أن تعود إلى الخزينة العامة.
والأخطر أن المجلس لم يكتف بتسجيل تضخم الرقم، بل نبه إلى غموض ونقائص في مسطرة قبول إلغاء هذه الديون، وإلى إمكانية اقتراح وقبول إلغاء ديون بسبب غياب معطيات أساسية عن المدينين، مثل رقم البطاقة الوطنية، أو رقم السجل التجاري، أو العنوان.
بهذه الصيغة، يصبح المشكل أعمق من صعوبة التحصيل، إنه مشكل في الذاكرة المالية للدولة، وفي جودة المعلومة، وفي قدرة الإدارة على تتبع الديون قبل أن تتحول إلى أرقام عالقة.
ديون بمئات المليارات يمكن أن تدخل منطقة الإلغاء، لا فقط بسبب عجز المدينين عن الأداء، بل أيضاً بسبب ثغرات في المعطيات، وضعف في التتبع، وغموض في المساطر.
وهذه ليست مسألة تقنية تخص الإدارة وحدها، بل سؤال سياسي مباشر عن مسؤولية وزارة تمسك مفاتيح الجباية والتحصيل.
وفي الجهة الأخرى من المنظومة الضريبية، كشف المجلس أن عملية تصفية سجل الخاضعين للضريبة مكنت، إلى حدود نهاية ماي 2024، من تسجيل حوالي 214,890 مقاولة غير نشيطة، مع الإشارة إلى أن الهدف من إحداث معظمها كان الغش الضريبي.
كما أظهرت المعطيات وجود آلاف المقاولات التي لا تتوفر في النظام المعلوماتي للضرائب على معطيات أساسية، من السجل التجاري إلى رقم الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
هنا لا يعود السؤال: هل نجح لقجع في كرة القدم؟ الجواب معروف.
السؤال الحقيقي هو: هل يملك البرلمان الجرأة ليسائل لقجع الوزير بالحدة نفسها التي يصفق بها للقجع رئيس الجامعة؟ كيف يمكن أن تمر 202 مليار درهم من الديون الجمركية العالقة، و214,890 مقاولة غير نشيطة ارتبط إحداث معظمها بالغش الضريبي، و21.6 مليار درهم من نفقات الاستثمار غير واضحة الوجهة، دون أن تتحول إلى لحظة مساءلة سياسية كبرى؟
المنتخب يلعب فوق العشب، أما الميزانية فتُكتب من جيوب المواطنين.
المنتخب يمنح الفرح، لكن وزارة المالية تدير الضرائب، والدين، والتحصيل، والإعفاءات، والحسابات، والصناديق، والنفقات.
لذلك لا يمكن أن يُطلب من المواطن أن يصفق مرتين: مرة لهدف في الملعب، ومرة لقانون تصفية لا يفهم من خلاله أين تمر بعض المليارات، ولماذا تتضخم ديون لا تُستخلص، وكيف تظهر مقاولات بالآلاف داخل منظومة ضريبية تعاني من ضعف المعطيات والتتبع.
المجلس الأعلى للحسابات لا يكتب تقاريره لتزيين الرفوف حين يتحدث عن ديون جمركية بلغت 202 مليار درهم، وعن مساطر إلغاء تحتاج إلى توضيح، وعن مقاولات غير نشيطة ارتبط إحداث معظمها بالغش الضريبي، وعن نفقات لا تحدد وجهتها بوضوح، فهو يمنح البرلمان مادة رقابية لا وثيقة أرشيفية.
والسؤال المحرج هو: هل يستعمل البرلمان هذه المادة في مساءلة حقيقية، أم يتركها تمر تحت سقف التصفيق والمجاملة؟
الاعتراف الرياضي لا يجب أن يتحول إلى تخفيف سياسي. وفوزي لقجع، إذا كان يمثل نجاحاً في تدبير كرة القدم، فإن ذلك لا يعفيه من المساءلة حين يجلس أمام البرلمان بصفته وزيراً للميزانية.
بل إن نجاحه الرياضي يفرض مساءلته أكثر، لا أقل، لأن المسؤول الذي يجمع بين الشعبية والسلطة يحتاج إلى رقابة مؤسساتية أقوى، حتى لا تتحول الهالة إلى حاجز أمام السؤال.
ليست المشكلة أن يهنئ البرلمان المنتخب، المشكلة أن ينسى، وسط التهنئة، أن وظيفته الأصلية ليست التصفيق بل الرقابة. وليست الخطورة في أن يصفق النواب للقجع الرياضي، بل في أن يخفت صوتهم أمام لقجع الوزير، بينما تقارير المجلس الأعلى للحسابات تضع أمامهم أرقاماً لا تصلح للمجاملة.
لا خوف على المنتخب من التصفيق، الخوف الحقيقي على السياسة حين يصبح التصفيق أعلى من الرقابة، وحين تتحول شعبية الكرة إلى ظل يمر تحته سؤال المال العام.
المنتخب يستحق الفخر، نعم.
لكن 202 مليار درهم من الديون الجمركية العالقة لا تستحق التصفيق.
تستحق مساءلة لا ترتجف أمام وهج الكرة، ولا تختبئ خلف فرحة مستحقة.
