حوّل الباحث والكاتب إدريس الكنبوري صدور كتاب جديد لوزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، إلى مناسبة لفتح نقاش حاد حول علاقة الثقافة بالسلطة، ومشروعية أن يقدم مسؤول حكومي رؤيته للقطاع في مؤلَّف يحمل عنوان «الثقافة.. طموح مغربي»، بينما تلاحقه انتقادات بشأن تدبير الوزارة واختياراتها خلال الولاية الحكومية الحالية.
لم يذكر الكنبوري اسم محمد المهدي بنسعيد صراحة داخل التدوينة التي نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، غير أن الصورة المرفقة بها أظهرت صورة الوزير إلى جانب غلاف كتاب «الثقافة.. طموح مغربي»، واسمه مكتوباً عليه بصفته مؤلفاً، بما جعل هوية الشخص المقصود بالانتقاد واضحة.
واستهل الكنبوري كلامه بعبارة ساخرة وثقيلة: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، قبل أن يصف بنسعيد بـ«وزير ما تسمى الثقافة في المغرب»، ويعلن رفضه للصورة التي يقدم بها الوزير كتاباً عن الطموح الثقافي للمملكة.
ويصدر الكتاب بعنوان «الثقافة.. طموح مغربي»، عن منشورات «ملتقى الطرق»، باللغتين العربية والفرنسية، ويقدم، وفق ما أعلنته دار النشر، رؤية بنسعيد للثقافة باعتبارها رافعة للتنمية والإشعاع، بينما كتبت مقدمته أودري أزولاي.
غير أن الكنبوري لم يناقش مضمون الكتاب أو أطروحاته، بل اختار مساءلة السياق السياسي والمؤسساتي الذي صدر فيه، متسائلاً بسخرية: «متى كان للمغرب طموح ثقافي منذ ثلاثين عاماً إلا أقلها؟»، ومعتبراً أن الحديث عن طموح ثقافي لا يمكن فصله عن حصيلة الوزارة نفسها وموقع الثقافة داخل السياسات العمومية.
واستحضر الباحث قرار نقل المعرض الدولي للنشر والكتاب من الدار البيضاء إلى الرباط، واعتبر أن الغاية كانت تقريب التظاهرة من مقر الوزارة و«أشياء أخرى أخنوشية»، وفق تعبيره، كما اتهم بنسعيد بتحويل المعرض إلى ما يشبه «مهرجان موازٍ لموازين»، وإنهاء تاريخ مجلة «المناهل»، وهي كلها مواقف نقدية عبّر عنها الكنبوري وتبقى منسوبة إليه.
وذهب الكنبوري أبعد من نقد الكتاب، ليربط صدوره بطبيعة المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي ينتمي إليه بنسعيد، قائلاً إن القارئ سيجد «كلاماً غليظاً غلظة المشروع الحداثي لحزب الأصالة والمعاصرة»، قبل أن يسخر من تحول شعار الحداثة، في نظره، إلى مجرد «تحديث»، أي «تحديث الفيلات وواجهات الشركات والبنيات التحتية للعائلات».
واستعمل الباحث عبارة لاذعة لوصف الفئة التي يرى أنها استفادت من تقاطع النفوذ السياسي والمالي والثقافي، قائلاً: «فقد نشأت في المغرب نابتة جديدة لسانها من ذهب ويدها من حديد».
أشد مقاطع التدوينة وقعاً جاء عندما شكك الكنبوري في علاقة التأليف بالكرسي الوزاري، معتبراً أن بنسعيد وصل إلى القطاع السياسي قبل أن يقدم نفسه مؤلفاً في قضاياه.
وكتب: «شخص ينزل بالمظلة على مقر وزارة الثقافة يكتب كتاباً عن الثقافة؛ لو نزل على وزارة الصناعة لكتب كتاباً في الصناعة، ولو نزل على وزارة الصيد لكتب كتاباً عن الحوت».
ولخص الكنبوري موقفه في جملة مرشحة لإثارة نقاش واسع داخل الوسط الثقافي: «المقر هو من ألّف الكتاب لا الكاتب»، معتبراً أن بعض الأسماء لا تظهر في مجال التأليف إلا بعد الوصول إلى مواقع السلطة، قبل أن يضيف: «وكم من كاتب ظهر في المغرب بسبب الكرسي».
واستثمر الباحث النقاش الدائر حول استعمال الذكاء الاصطناعي في كتابة المؤلفات، ليصوغ مقارنة ساخرة بين الآلة والسلطة، قائلاً: «فكما أن الذكاء الاصطناعي أصبح يؤلف الكتب لنابتة الكتبة، أصبحت الكراسي تؤلف للجالسين على عروشهم».
انتقاد الكنبوري لم يتوقف عند بنسعيد أو كتابه، بل امتد إلى السياسة الثقافية برمتها، إذ تساءل عما إذا كان من الممكن الحديث عن ثقافة داخل بلد قال إنه «يمنح الحصانة لأمثال لكع بن لكع، ويغدق الأموال على صانعي المحتويات السخيفة».
كما دعا إلى توسيع النقاش العمومي ليشمل مصادر تمويل المشهدين الثقافي والإعلامي، معتبراً أن الحديث المتكرر عن المال السياسي لا يوازيه نقاش مماثل حول «المال الثقافي والمال الإعلامي»، وعن كيفية توزيع الدعم العمومي والفرص والامتيازات داخل هذين المجالين.
وقال الكنبوري إن الأمر يتعلق، وفق تقييمه، بـ«المال الأسود الذي يؤخذ من الناس ويعطى لمن لا يستحق»، قبل أن يختم تدوينته بعبارة تجمع بين السخرية والإدانة: «فنحن في دولة أصبحت دُولةً بين الأغنياء منكم، تُغني السفيه وتُفقر الفقيه»، ليكرر في النهاية: «وإنا لله وإنا إليه راجعون».
التدوينة لا تقدم مراجعة نقدية لمضمون كتاب «الثقافة.. طموح مغربي» بقدر ما تضع مشروعية صدوره في قلب سؤال أكبر: هل الكتاب ثمرة مسار فكري مستقل، أم امتداد للمنصب الوزاري ومحاولة لتحويل تجربة حكومية ما زالت محل جدل إلى مرجعية مكتوبة؟
وإلى حدود إعداد هذا المقال، لم يصدر عن بنسعيد رد مباشر على الانتقادات التي وجهها إليه الكنبوري، كما تبقى العبارات والأحكام الواردة في التدوينة آراءً شخصية يتحمل صاحبها مسؤوليتها، في انتظار أن يكشف تداول الكتاب وقراءته الفعلية ما إذا كان يقدم مشروعاً ثقافياً قابلاً للنقاش، أم يمنح خصوم الوزير مادة جديدة لمساءلة الحصيلة التي سبقت التأليف.
