بقلم: نعيم بوسلهام
لا تُقاس قيمة البرامج الجامعية بعدد الأفواج التي تخرجها فقط، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج معرفة جديدة، وتكوين كفاءات مؤهلة، والإجابة عن الأسئلة الإستراتيجية التي يفرضها الواقع. ومن هذا المنطلق، فإن بلوغ ماستر “الدين والثقافة والهجرة” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمنجز بشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، فوجه الخامس، يشكل مناسبة حقيقية لإجراء تقييم علمي ومؤسساتي لهذه التجربة، واستشراف آفاق تطويرها.
لقد جاء هذا الماستر في سياق وطني وإقليمي ودولي يتسم بتزايد أهمية قضايا الهجرة، والتحولات الدينية، والتعدد الثقافي، وإشكالات الهوية والاندماج، وهي ملفات أصبحت تحتل موقعًا متقدمًا في السياسات العمومية وفي الأجندات الأكاديمية العالمية.
ومن ثم، فإن إحداث هذا التكوين لم يكن مجرد إضافة إلى العرض الجامعي، بل استجابة لحاجة معرفية حقيقية تتعلق بفهم التحولات التي يعيشها ملايين المغاربة داخل الوطن وخارجه.
ومن أبرز ما يميز هذه التجربة أنها لم تعتمد مقاربة أحادية، بل راهنت على التكامل بين العلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات الدينية والفلسفة والقانون والعلوم السياسية والتاريخ والأنثروبولوجيا والإعلام، بما أتاح للطلبة تكوينًا متعدد الأبعاد، قادرًا على تفكيك الظواهر المركبة بعيدًا عن التفسيرات الاختزالية. وهذه المقاربة البينية تمثل أحد أهم الاتجاهات التي تتبناها الجامعات الرائدة في العالم عند دراسة القضايا العابرة للتخصصات.
كما نجح الماستر في خلق فضاء علمي يجمع بين طلبة مقيمين بالمغرب وآخرين من أفراد الجالية المغربية بالخارج، وهو ما منح العملية التكوينية بعدًا إنسانيًا ومعرفيًا خاصًا، حيث امتزجت الخبرة الأكاديمية بالتجربة الميدانية، وأصبح النقاش العلمي يستند إلى معطيات واقعية تعكس تنوع تجارب مغاربة العالم.
ولعل القيمة المضافة لهذا التكوين تكمن أيضًا في مساهمته في تكوين جيل من الباحثين يمتلك أدوات تحليلية حديثة لفهم قضايا الدين والهجرة والثقافة والهوية، وهي مجالات تزداد أهميتها مع التحولات الاجتماعية والسياسية التي تعرفها المجتمعات الأوروبية، وما تطرحه من تحديات تتعلق بالاندماج، والتماسك الاجتماعي، والحفاظ على الهوية، ومواجهة خطابات التطرف والكراهية.
غير أن نجاح أي تجربة أكاديمية لا ينبغي أن يكون مدعاة للاكتفاء بما تحقق، بل دافعًا للانتقال إلى مرحلة أكثر طموحًا. وبعد خمسة أفواج من التكوين، أصبح من المشروع طرح سؤال التطوير المؤسسي: هل يظل هذا المشروع في حدود ماستر جامعي، أم آن الأوان للارتقاء به إلى مؤسسة بحثية متخصصة؟
إن المغرب، الذي يتجاوز عدد مواطنيه المقيمين بالخارج خمسة ملايين نسمة، في حاجة إلى بنية أكاديمية دائمة تُعنى بدراسة أوضاع هذه الجالية وتحولاتها الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وتوفر للدولة ولصناع القرار معطيات علمية دقيقة تساعد على بلورة سياسات عمومية أكثر فاعلية. ومن هنا، فإن التفكير في إحداث قسم للدراسات العليا والبحث العلمي حول مغاربة العالم، أو معهد وطني للدراسات الإستراتيجية للهجرة والدين والثقافة، لا يبدو ترفًا مؤسساتيًا، بل استثمارًا في المعرفة يخدم المصالح الإستراتيجية للمملكة.
مثل هذا المعهد يمكن أن يتحول إلى منصة وطنية لإنتاج الدراسات الميدانية، وإصدار التقارير العلمية، وتأطير طلبة الدكتوراه، وتنظيم المؤتمرات الدولية، وبناء شبكات تعاون مع الجامعات الأوروبية ومراكز البحث المتخصصة في قضايا الهجرة والتعدد الثقافي. كما يمكن أن يشكل فضاءً لتجميع الخبرات المغربية في الداخل والخارج، وربط البحث الأكاديمي باحتياجات المؤسسات العمومية.
إن نجاح تجربة ماستر “الدين والثقافة والهجرة” يؤكد أن الجامعة المغربية قادرة على إنتاج مبادرات علمية رائدة عندما تتوفر لها الرؤية والشراكات والدعم المؤسساتي.
غير أن المحافظة على هذا النجاح تقتضي الانتقال من منطق التكوين إلى منطق بناء مدرسة علمية متخصصة، قادرة على إنتاج المعرفة، وتأهيل الكفاءات، والمساهمة في فهم التحولات التي يعيشها مغاربة العالم.
إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على تخريج دفعات جديدة من الطلبة، بل يتمثل في بناء مؤسسة أكاديمية مرجعية تجعل من المغرب قطبًا إقليميًا في الدراسات المتعلقة بالهجرة والدين والثقافة. فالجالية المغربية بالخارج ليست مجرد رقم ديمغرافي أو مصدر للتحويلات المالية، وإنما رصيد حضاري وإنساني وإستراتيجي يستحق أن يكون في صلب البحث العلمي الوطني، وأن يحظى بمؤسسات أكاديمية قادرة على مواكبة قضاياه واستشراف مستقبله.
ولعل أفضل احتفاء بخمس سنوات من هذا الماستر ليس تنظيم حفل لتخريج فوج جديد، وإنما إطلاق ورش علمي ومؤسساتي جديد يجعل من هذه التجربة نواة لمشروع وطني أكبر، يليق بمكانة الجالية المغربية وبطموح الجامعة المغربية في أن تكون فاعلًا في إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل.
