بقلم: الباز عبدالإله
كشفت جريدة «هسبريس»، اليوم الجمعة 24 يوليوز 2026، استناداً إلى معطيات توصلت بها من مجلس المنافسة، أن المؤسسة برمجت إصدار رأي بشأن قطاع اللحوم الحمراء والماشية، لكنها لم تبدأ بعدُ الاشتغال الفعلي عليه، على أن تُعد الورقة التأطيرية للبحث مع نهاية السنة الجارية، تمهيداً لاتخاذ قرار رسمي بإطلاقه مع بداية سنة 2027.
يعني ذلك أن ما أُعلن عنه ليس تحقيقاً انطلق فعلاً، ولا دراسة أصبحت نتائجها قريبة من المواطن، بل مجرد برمجة لملف ما زال ينتظر إعداد الوثيقة التي ستحدد أسئلته ومحاوره ونطاق البحث داخله، بعد سنوات من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، وصرف الدعم العمومي، وتوسيع الإعفاءات الممنوحة للاستيراد.
المفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: الأسعار ارتفعت، والقدرة الشرائية تضررت، والدعم صُرف، والمستوردون استفادوا من المال العام والإعفاءات، ثم يأتي الجهاز الدستوري المكلف بضبط المنافسة ليعلن أنه سيبدأ مستقبلاً في تحديد الأسئلة التي سيبحث لها عن أجوبة.
لا يتعلق الأمر بقطاع هامشي يمكن تأجيل دراسته دون أن يتضرر المواطن، بل بسوق يمس الأمن الغذائي ويستنزف جزءاً مهماً من ميزانيات الأسر. ومع ذلك، سيقضي المجلس الأشهر المقبلة في إعداد «ورقة تأطيرية»، ثم يعرضها على مكوناته للمناقشة والمصادقة، وبعدها تبدأ مراحل جمع المعطيات والاستماع إلى المتدخلين وتحليل المعلومات، قبل إعداد رأي نهائي لا يوجد إلى اليوم موعد محدد وملزم لنشره.
من حق مجلس المنافسة أن يوضح أنه ليس إدارة مكلفة بكتابة ثمن كيلوغرام اللحم على واجهات محلات الجزارة، وأن الحكومة هي صاحبة القرار في تقنين الأسعار واتخاذ التدابير الاستثنائية بشأنها. لكن هذا التوضيح لا يعفيه من السؤال الجوهري: إذا لم يكن دوره حماية السوق والمواطن من الاختلالات التي تضرب المنافسة وتنعكس مباشرة على الأسعار، فلماذا أُنشئ أصلاً؟
الفصل 166 من الدستور لا يقدم مجلس المنافسة باعتباره مجرد مركز لإعداد الدراسات، بل هيئة مستقلة مكلفة، في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة، بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، خاصة عبر تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار.
هذه الاختصاصات تعني أن المجلس لا يحدد السعر، لكنه مسؤول عن التأكد من أن هذا السعر لم يتشكل داخل سوق مختلة، أو نتيجة تفاهمات محتملة بين الفاعلين، أو تركّز مفرط، أو استغلال لوضع مهيمن، أو حواجز تمنع المنافسة، أو سلسلة وسطاء تستفيد من الامتيازات دون أن يصل أثرها إلى المستهلك.
حرية الأسعار لا تعني ترك المواطن وحيداً أمام الفاعلين الأقوى اقتصادياً، ولا أن تتحول الدولة إلى ممول للاستيراد ثم تكتفي بمراقبة الأسعار من بعيد. وجود مجلس المنافسة يجد مبرره تحديداً عندما تفشل زيادة العرض والإعفاءات الضريبية في تخفيض الأثمان، وعندما يظهر فرق غير مفهوم بين الامتيازات التي يحصل عليها الفاعلون والنتيجة التي تصل إلى جيب المواطن.
الحكومة خصصت خلال سنتي 2023 و2024 ما مجموعه 437 مليون درهم لدعم الاستيراد الاستثنائي لنحو 875 ألف رأس من الأغنام، بمعدل 500 درهم عن كل رأس. وبحسب الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة الفلاحة في 3 أبريل 2025، توزعت الكلفة بين 193 مليون درهم سنة 2023 و244 مليون درهم سنة 2024، إضافة إلى تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة المرتبطة بعدد من عمليات استيراد الماشية واللحوم.
الأكثر دلالة أن فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، كان قد أقر خلال مناقشة مشروع قانون المالية أمام لجنة المالية بمجلس النواب، بتاريخ 31 أكتوبر 2024، بأن دعم استيراد الأغنام «لم يأت بنتيجة»، موضحاً أن الحكومة قررت التخلي عنه.
هذا الاعتراف الحكومي كان يفترض أن يشكل نقطة انطلاق فورية لفحص اقتصادي ومؤسساتي مستقل: أين توقفت آثار الدعم؟ من استفاد فعلياً؟ لماذا لم تتحول مئات الملايين من الدراهم والإعفاءات إلى أسعار أقل؟ وهل كان الخلل في تصميم الإجراء الحكومي، أم في الاستيراد، أم في الذبح والتوزيع، أم في تعدد الوسطاء وهوامش الربح؟
هذه الأسئلة لم تكن تحتاج إلى انتظار نهاية سنة 2026 لاكتشافها. كان بإمكان مجلس المنافسة أن يبادر إلى دراسة السوق منذ ظهور الفارق بين ما دفعته الدولة وما حصل عليه المواطن، وأن يفحص بنية الاستيراد والذبح والتوزيع ومستوى تركّز النشاط وهوامش الربح ومسار انتقال اللحوم من الميناء أو الضيعة إلى محل الجزارة.
أما أن يبدأ التفكير في الملف بعد سنوات من الأزمة، فذلك يهدد بتحويل المؤسسة من جهاز يسبق الاختلالات ويردعها إلى مؤرخ للغلاء يصل بعد وقوع الضرر.
المسؤولية لا تقع على مجلس المنافسة وحده. الحكومة هي التي اختارت دعم الاستيراد وتعليق الضرائب والرسوم باعتبار ذلك وسيلة لتوفير اللحوم وضبط السوق، وهي المطالبة بتقديم حصيلة دقيقة تقارن بين ما تحملته الخزينة وما ربحه المستهلك. فلا يكفي الإعلان عن عدد الرؤوس المستوردة؛ المطلوب كشف قيمة الدعم والإعفاءات كاملة، وأسماء المستفيدين، والكميات التي أدخلها كل مستورد، وأسعار الشراء عند الوصول، وأسعار البيع، وهوامش الربح، ومدى احترام الالتزامات التي بُررت بها الامتيازات العمومية.
كما نقلت «هسبريس» أن توقف عمل الفيدرالية البيمهنية للحوم الحمراء، إثر سجن رئيسها محمد كريمين وتوقف مكتبها، كان من العوائق التي واجهت المجموعة الموضوعاتية بمجلس النواب المكلفة بتقييم برنامج «مخطط المغرب الأخضر».
غير أن مجلس المنافسة أكد، وفق المصدر ذاته، أن غياب هيئة مهنية بعينها لن يعرقل إعداد الرأي، وأنه سيستمع إلى مختلف الفيدراليات والتنظيمات المهنية والشركات والوزارة الوصية وباقي المتدخلين في سلسلة إنتاج اللحوم الحمراء وتسويقها.
هذا التوضيح يزيل عائقاً إجرائياً، لكنه يعمق السؤال السياسي: إذا كان المجلس يمتلك الآليات القانونية والمؤسساتية لجمع المعطيات والاستماع إلى الفاعلين حتى في غياب إحدى الهيئات، فلماذا لم يستخدمها قبل سنوات، عندما كان الغلاء يتصاعد والدعم يُصرف والجدل يشتد حول المستفيدين؟
ليس المطلوب من المجلس إصدار رأي عام يكرر أن الجفاف قلص القطيع، وأن الأعلاف ارتفعت، وأن كثرة الوسطاء ترفع الأسعار. المطلوب تحديد موضع الاختلال، ورسم خريطة دقيقة للمستفيدين والأرباح ومسالك التوزيع، والكشف عما إذا كانت هناك ممارسات تستوجب الانتقال من الرأي الاستشاري إلى التحقيق التنازعي وترتيب الجزاءات القانونية عند ثبوت أي مخالفة.
كما لا توجد، وفق المعطيات المنشورة، كلفة مستقلة معلنة لهذا البحث، ولا جدول زمني واضح لصدور نتيجته، ولا ضمان قانوني يلزم الحكومة بتنفيذ جميع توصياته. ولذلك يحق للمواطن أن يسأل: ماذا سيضيف رأي قد يصدر بعدما صُرف الدعم وارتفعت الأسعار وغادرت اللحوم موائد أسر كثيرة؟
المغاربة لا يحتاجون إلى وثيقة تشرح لهم بعد سنوات لماذا عجزوا عن شراء اللحم. يحتاجون إلى مؤسسات تتحرك عند بداية الاختلال، تكشف من استفاد من المال العام، وتتحقق من أن الدعم والإعفاءات لم يتحولا إلى مكاسب خاصة معزولة عن الهدف المعلن، وهو توفير اللحوم وتخفيف الأسعار على المواطنين.
فإذا كانت الحكومة تتدخل بعد اشتعال الأزمة، ومجلس المنافسة لا يبدأ فحص السوق إلا بعد سنوات من صرف الدعم وتوسيع الإعفاءات، والرأي النهائي يظل استشارياً وغير ملزم للحكومة، فمن يحمي المواطن أثناء وقوع الضرر؟
