بقلم: الباز عبدالإله
لم يحتج التحالف الحكومي إلى اجتماع للأغلبية حتى يكشف حجم التوتر المتراكم داخله قبل الانتخابات، فقد كانت ساعات قليلة كافية ليتحول اسم فوزي لقجع، الوزير داخل حكومة يقودها عزيز أخنوش، إلى عنوان أول مواجهة انتخابية علنية بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
من قصر المؤتمرات بمدينة سلا، أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لـ«البام»، السبت 25 يوليوز 2026، انضمام الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، إلى المكتب السياسي للحزب، إلى جانب الخطاط ينجا، رئيس مجلس جهة الداخلة–وادي الذهب.
لم تقدّم المنصوري لقجع باعتباره مجرد عضو جديد، بل وصفته بإطار وطني بارز وإضافة نوعية بالنظر إلى خبرته وكفاءته، قبل أن تؤكد أن التحاقه يشكل اندماجاً في «مشروع مجتمعي متكامل وأسرة سياسية متماسكة»، معلنة أن الحزب الذي حل ثانياً في انتخابات 2021 يسير ليصبح القوة السياسية الأولى في المغرب.
لكن الاحتفاء لم يمر بهدوء داخل بيت الأغلبية. فمن الداخلة، أطلق أخنوش في اليوم نفسه رداً سياسياً بدا موجهاً إلى «البام»، وإن لم يذكره بالاسم، منتقداً منافسين قال إنهم ابتعدوا عن العمل الميداني طوال خمس سنوات، ثم انتظروا اللحظات الأخيرة للبحث عن أسماء معروفة يملؤون بها لوائحهم الانتخابية.
وقال أخنوش بلهجة لا تحتاج إلى كثير من التأويل: «سمحوا ليا، حنا ماشي فميركاتو… اللي عندو عندو واللي ما عندوش ما عندوش».
توقيت الرسالة جعلها تتجاوز حدود الكلام العام عن الاستقطاب الحزبي. فحين يعلن شريك حكومي ضم لقجع إلى قيادته، ويقدمه إضافة نوعية داخل مشروع يطمح إلى تصدر الانتخابات، ثم يخرج رئيس الحكومة بعد لحظات للحديث عن «ميركاتو» الأسماء والوزراء الذين يجري اللجوء إليهم في آخر دقيقة، يصبح الوزير المكلف بالميزانية واقفاً في قلب مباراة سياسية بين حزبين يدبران الحكومة نفسها، لكنهما يستعدان لخوض الانتخابات بمنطق الخصمين.
أخنوش ذهب أبعد من انتقاد الاستقطاب، وسأل منافسيه، في إشارة ضمنية واضحة: «هؤلاء باش غادي يلعبوا الماتش؟»، قبل أن يستعرض القوة التنظيمية لحزب التجمع الوطني للأحرار، متحدثاً عن عشرة آلاف منتخب ومئات الآلاف من المنخرطين، ومؤكداً أن «الأحرار» يمثل «مشتلاً للكفاءات»، ولا يحتاج إلى ملء لوائحه بأسماء تُستقدم عند اقتراب موعد الاقتراع.
وشدد الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار وعضو مكتبه السياسي على أن الانتخابات ليست قائمة من الأسماء والوزراء يُلجأ إليها في آخر دقيقة، بل حصيلة عمل يومي وإنصات مستمر للمواطنين، مضيفاً أن الحزب السياسي الحقيقي هو الذي يتوفر على مناضلين يشتغلون في الميدان، لا على واجهات تُجمع عند اقتراب فتح صناديق الاقتراع.
غير أن المواجهة كشفت مفارقة يصعب تجاوزها: إذا كان المواطن، كما قال أخنوش، يصوت على البرامج والتصورات وليس على الأشخاص، فلماذا استدعى انضمام لقجع إلى قيادة «البام» هذا الرد السريع؟ وإذا كان التحاقه مجرد خطوة حزبية عادية، فلماذا وضعه خطاب أخنوش ضمنياً في سياق «الميركاتو» والبحث عن الوزراء في آخر لحظة؟
المفارقة الأكبر أن لقجع ليس اسماً قادماً من خارج السلطة، بل وزير منتدب مكلف بالميزانية داخل حكومة أخنوش، وواحد من أبرز المسؤولين عن إعداد وتنفيذ اختياراتها المالية. وبذلك يدخل «البام» الانتخابات بكفاءة شاركت في تدبير جانب أساسي من حصيلة الحكومة التي يقودها منافسه التجمع الوطني للأحرار، بينما يجد أخنوش نفسه مطالباً بالدفاع عن أرقام وميزانيات وقرارات ساهم لقجع في إعدادها وتنفيذها.
أما المنصوري، فقد وضعت سقف المواجهة عالياً حين أعلنت أن حزبها يسير نحو احتلال المرتبة الأولى. وهو تصريح يعني سياسياً أن «البام» لا يستعد فقط لتعزيز تمثيليته، بل ينافس مباشرة على الموقع الذي يحتله «الأحرار»، وعلى حق قيادة الحكومة المقبلة إذا منحت صناديق الاقتراع حزبها المرتبة التي يطمح إليها.
هكذا لم يعد التحالف الحكومي، على بعد أسابيع من الانتخابات، مجرد ثلاثة أحزاب تدافع عن حصيلة مشتركة. فقد بدأت كل قوة داخله تفصل أوراقها عن الأخرى: «البام» يقدم لقجع دليلاً على قدرته على جذب الكفاءات والاستعداد للصدارة، وأخنوش يرد بالقواعد والمنتخبين والعمل الميداني، فيما يتحول الوزراء أنفسهم من أعضاء في فريق حكومي واحد إلى أوراق داخل معركة اللوائح والمراتب.
لم يسمِّ أخنوش حزب الأصالة والمعاصرة، لكن التوقيت سمّاه نيابة عنه. ولم تقل المنصوري إن لقجع ورقة لمنافسة «الأحرار»، لكن إعلان الصدارة قال ما يكفي.
لقد انطلقت المباراة فعلاً؛ غير أن أول كرة فيها لم تُلعب بين الأغلبية والمعارضة، بل بين حليفين داخل الحكومة نفسها، وكان اسمها: فوزي لقجع.
