بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد الخلافات داخل الأغلبية الحكومية تحتاج إلى تسريبات أو اجتماعات مغلقة حتى تظهر إلى العلن. فمن الداخلة، وبحضور رئيس الحكومة عزيز أخنوش، اختار محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، توجيه خطاب من أقسى الخطابات الموجهة إلى حليف حكومي، بعد ساعات فقط من إعلان التحاق فوزي لقجع والخطاط ينجا بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة.
لم يذكر أوجار لقجع بالاسم داخل المقطع المتداول من كلمته، لكنه لجأ إلى استعارة يصعب فصلها عن رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، قائلاً: «نحن شعب يحب كرة القدم ونفتخر بمنجزات فريقنا الوطني، ولكن السياسة والديمقراطية ليستا كرة قدم».
لم تحتج الرسالة إلى مترجم سياسي. ففي الوقت الذي كان فيه «البام» يحتفي بسلا بانضمام لقجع إلى قيادته، كان حزب «الأحرار» يرد من الداخلة بأن السياسة ليست ملعباً، وأن الانتخابات ليست مباراة يمكن حسمها باستقدام اسم ثقيل في الدقائق الأخيرة.
لكن خطاب أوجار لم يتوقف عند لقجع، بل انتقل إلى ملف أكثر حساسية عندما رفض ما وصفه بـ«العبث» وتغيير الانتماءات الحزبية بحثاً عن التزكيات، مؤكداً أنه لا يمكن القبول بقيام كبار المنتخبين بتغيير أحزابهم ومبادئهم ببساطة.
هنا يظهر الاسم الذي غاب عن عدد من التغطيات الإعلامية: الخطاط ينجا، رئيس مجلس جهة الداخلة–وادي الذهب، الذي انتُخب سنة 2021 باسم حزب الاستقلال، قبل أن يغادر «الميزان» ويلتحق بحزب الأصالة والمعاصرة، ثم تعلن فاطمة الزهراء المنصوري، السبت 25 يوليوز 2026، انضمامه رفقة لقجع إلى المكتب السياسي لـ«البام».
بهذا المعنى، بدا أن أوجار يوزع سهامه على هدفين: لقجع من بوابة كرة القدم والاستقطاب في آخر لحظة، والخطاط من بوابة الترحال الحزبي وتغيير الانتماء قبل الانتخابات.
أما تقديم لقجع باعتباره نموذجاً للترحال السياسي فليس دقيقاً؛ إذ أكد، يوم 10 يونيو الماضي، أنه لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، وأنه سيعلن بنفسه قراره إذا اختار الانخراط الحزبي. وبالتالي، فإن التحاقه بـ«البام» يمثل انتقالاً من موقع غير حزبي إلى عضوية حزب، وليس مغادرة حزب نحو آخر.
غير أن هذا التفصيل لا يلغي جوهر المواجهة: حزب يقود الحكومة غاضب من الطريقة التي يعزز بها حليفه الحكومي ترسانته الانتخابية، وقيادي تجمعي يصف، من فوق منصة يحضرها رئيس الحكومة، ممارسات سياسية بأنها تسيء إلى الديمقراطية وتحتقر ذكاء المغاربة.
وقال أوجار مخاطباً من سماهم «أصدقاءنا»: «رجاء لا تفسدوا هذا المنجز الكبير لشعبنا ولملكنا»، مضيفاً أن حزبه لن يقبل بإفساد العملية الديمقراطية بممارسات لا علاقة لها بأخلاق العمل السياسي.
تتجاوز هذه العبارات حدود التنافس الانتخابي العادي، لأن الرسالة السياسية بدت موجهة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، الشريك الأساسي في الحكومة التي يقودها التجمع الوطني للأحرار. كما أن لقجع نفسه لا يأتي من خارج هذه الحكومة، بل يشغل منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية تحت رئاسة أخنوش.
المفارقة أن لقجع ظل كفاءة حكومية تحظى بالثقة ما دام بلا لون حزبي، لكنه تحول، بمجرد اختياره لون «البام»، إلى عنوان لـ«ميركاتو سياسي» يستدعي الحديث عن الأخلاق والمبادئ وعدم احتقار ذكاء الناخبين.
وإذا كان انضمام رجل واحد إلى حزب حليف قد دفع أخنوش إلى التأكيد أن «الأحرار ليسوا في ميركاتو»، وأخرج أوجار للحديث عن «العبث» و«إفساد العملية الديمقراطية»، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بلقجع وحده: ماذا يعرف قادة التجمع عن المعركة الجارية داخل الأغلبية حتى انتقل خطابهم، في ساعات قليلة، من التنافس بين الحلفاء إلى التحذير من إفساد الديمقراطية؟
الأقوى في المشهد أن «البام» كان في سلا يقدم لقجع والخطاط باعتبارهما قيمة مضافة وكفاءتين قادرتين على تعزيز الحزب، بينما كان «الأحرار» في الداخلة يقدم العملية نفسها باعتبارها لهفة وراء التزكيات واستقداماً لأسماء في آخر لحظة.
إنها الحكومة نفسها، لكن بروايتين متناقضتين: «البام» يسميها استقطاباً للكفاءات، و«الأحرار» يصفها بالميركاتو والعبث. وبين الروايتين، تسقط آخر مظاهر الهدوء داخل الأغلبية، وتبدأ رسمياً حرب انتخابات شتنبر.
