بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الجدل المتعلق بمشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23 محصوراً داخل المحاكم المغربية واجتماعات هيئات الدفاع، بعدما دخلت جمعية محامي مدينة نيويورك، التي تأسست سنة 1870 وتضم أكثر من 20 ألف عضو، على خط الملف، محذرة من انعكاسات المقتضيات المقترحة على استقلال المحامين وحرية الدفاع، خصوصاً في القضايا الحساسة والسياسية والملفات التي تكون مؤسسات الدولة طرفاً فيها.
البيان، الذي نشره المحامي عزيز الرويبح على صفحته، متاح رسمياً على موقع الجمعية الأمريكية منذ أمس الجمعة 24 يوليوز 2026، ويحمل توقيع لجنتي شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والشؤون الإفريقية. وأعلنت الجمعية من خلاله وقوفها إلى جانب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، والهيئات الجهوية، وآلاف المحامين الذين خاضوا تحركات سلمية دفاعاً عما وصفته بـ«الضمانات التاريخية» للمهنة.
ولم تكتف الجمعية بإعلان التضامن، بل وضعت يدها على أكثر النقاط حساسية في المشروع، مسجلة أن عدداً من مقتضياته قد يؤثر في المهنة على مستويات الولوج والتكوين والتسجيل والتأديب والحكامة والرقابة المالية والعمل المهني الجماعي.
كما عبّرت عن قلقها من توسيع أدوار السلطات التنفيذية والقضائية والنيابة العامة وجهات الافتحاص في مجالات كانت تُدبّر تقليدياً من طرف هيئات المحامين، ومن احتمال إضعاف التنظيم الذاتي للمهنة، فضلاً عن تأثير الآليات التأديبية المقترحة في المحامين المشتغلين على قضايا دفاع حساسة.
العبارة الأقوى في البيان جاءت عندما نبهت الجمعية إلى احتمال إحداث «أثر مثبط» في قدرة المحامين على تمثيل موكليهم بحرية، بما يشمل القضايا المرتبطة بمؤسسات الدولة، والملفات ذات الحساسية السياسية، وقضايا المتقاضين الموجودين في وضعية هشاشة.
الرسالة الموجهة إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي كانت مباشرة: العودة إلى حوار متجدد ومحترم وجوهري مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب والممثلين المنتخبين للمهنة، وضمان ألا يتحول إصلاح المحاماة إلى مدخل لإضعاف استقلال المحامين أو استقلالية الهيئات أو الضمانات المرتبطة بمهمة الدفاع والتزامات المغرب بسيادة القانون ومبادئ المحاكمة العادلة.
وأقرت الجمعية بحق المغرب السيادي في إصلاح مؤسساته القانونية وتعزيز المعايير المهنية والشفافية والمساءلة وثقة المواطنين في نظام العدالة، لكنها شددت على أن الإصلاح يصبح أكثر استدامة عندما يُبنى عبر تشاور حقيقي مع المهنيين، معتبرة أن هيئات المحامين ليست مجرد طرف معني بإصلاح قطاعي، بل مؤسسات أساسية في إقامة العدالة وحماية حق المواطنين في تمثيل قانوني مستقل.
وختمت الوثيقة برسالة يصعب فصلها عن جوهر الخلاف القائم: «يجب أن يظل المحامون أحراراً في الدفاع عن المتهمين، وتقديم المشورة للأشخاص في وضعية هشاشة، والتصدي للتجاوزات، وتمثيل الموكلين الذين لا يحظون بالتأييد الشعبي، والوقوف بين الفرد وسلطة الدولة».
هكذا انتقل مشروع القانون رقم 66.23 من خلاف مهني داخلي إلى ملف تتابعه واحدة من أعرق الجمعيات القانونية في الولايات المتحدة. والسؤال المطروح على وزارة العدل لم يعد متعلقاً فقط بمواد المشروع، بل بما إذا كانت ستستجيب لدعوة الحوار وتحمي استقلال الدفاع، أم ستواصل مسار الإصلاح رغم التحذيرات من أن بعض مقتضياته قد تجعل المحامي يفكر في العواقب قبل أن يقرر الوقوف إلى جانب موكله.
